وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْقَرْضِ وَبَدَلِ الْمُتْلَفِ كَقَوْلِنَا ، وَفِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْأُجْرَةِ وَالصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ كَقَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ يَقْتَضِي جُزْءًا مِنْ الْعِوَضِ ، وَالْقَرْضُ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ فِي عِوَضِهِ ، وَبَدَلُ الْمُتْلَفِ الْوَاجِبِ فِيهِ الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَأَجَّلْ ، وَبَقِيَّةُ الْأَعْوَاضِ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهَا ، فَجَازَ تَأْجِيلُهَا .
وَلَنَا ، أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ ، حَالًّا ، وَالتَّأْجِيلَ تَبَرُّعٌ مِنْهُ وَوَعْدٌ ، فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا ، وَهَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّرْطِ ، وَلَوْ سُمِّيَ ، فَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِالْعَارِيَّةِ ، فَيَلْحَقُ بِهِ مِمَّا اخْتَلَفَا فِيهِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَلَنَا ، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهَا زِيَادَةٌ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ الْقَرْضَ ، وَأَمَّا الْإِقَالَةُ: فَهِيَ فَسْخٌ ، وَابْتِدَاءُ عَقْدٍ آخَرَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ،
بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الْقَبْضُ لِمَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ ، وَالتَّعَيُّنُ لِمَا فِي الذِّمَّةِ .
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ قَرْضُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَاضَ مَالَهُ مِثْلٌ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُون وَالْأَطْعِمَةِ جَائِزٌ .
وَيَجُوزُ قَرْضُ كُلِّ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا ، سِوَى بَنِي آدَمَ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ قَرْضٌ غَيْرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ ، أَشْبَهَ الْجَوَاهِرَ .
وَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا ، وَلَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ .
وَقَوْلُهُمْ: لَا مِثْلَ لَهُ .
خِلَافُ أَصْلِهِمْ ، فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَوْ أَتْلَفَ عَلَى رَجُلٍ ثَوْبًا ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهُ ، وَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ .
فَأُمًّا مَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا ، كَالْجَوَاهِرِ وَشَبَهِهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ فِيهَا قَرْضُهَا ،