لِلْمُرْتَهِنِ فِي ذَلِكَ ، إنَّمَا هُوَ وَكِيلُهُ فِي الْحِفْظِ فَقَطْ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ بِوَكِيلٍ لَهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي قَضَاءِ دَيْنٍ ، فَادَّعَى أَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ .
وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ ، كَالْمُودِعِ يَدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةِ .
فَعَلَى هَذَا ، إذَا حَلَفَ الْعَدْلُ لَهُ ، سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ قَبَضَهُ .
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ ، وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ ، لَمْ يَرْجِعْ الْعَدْلُ عَلَى الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: ظَلَمَنِي وَأَخَذَ مِنِّي بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الرَّاهِنِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ مَالًا آخَرَ ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ ، فَهَلْ يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَى الْعَدْلِ ؟ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ بِحَضْرَةِ الرَّاهِنِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ ، فَمَاتَتْ أَوْ غَابَتْ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِي الْقَضَاءِ ، وَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فِي غَيْبَةِ الرَّاهِنِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا ، يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي الْقَضَاءِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الرَّهْنُ بِتَفْرِيطِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا
أَنْ يَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا ، وَادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْآمِرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي حَقِّهِ ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ فِي الْقَضَاءِ أَوْ كَذَّبَهُ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَذَّبَهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ .