لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { ابْدَأْ بِنَفْسِك ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ } .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِيمَنْ يَعُولُهُ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ ، وَهِيَ الزَّوْجَةُ ، فَإِذَا قَدَّمَ نَفَقَةَ نَفْسِهِ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ ، فَكَذَلِكَ عَلَى حَقِّ الْغُرَمَاءِ ، وَلِأَنَّ الْحَيَّ آكَدُ حُرْمَةً مِنْ الْمَيِّتِ ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ ، وَتَقْدِيمُ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ ، وَمُؤْنَةِ دَفْنِهِ عَلَى دَيْنِهِ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فَنَفَقَتُهُ أَوْلَى وَتُقَدَّمُ أَيْضًا نَفَقَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ ، مِثْلِ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْمَوْلُودِينَ ، وَغَيْرِهِمْ ، مِمَّنْ تُحَبُّ نَفَقَتُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْرُونَ مَجْرَى نَفْسِهِ ، لِأَنَّ ذَوِي رَحِمِهِ مِنْهُمْ يَعْتِقُونَ إذَا مَلَكَهُمْ ، كَمَا يَعْتِقُ إذَا مَلَكَ نَفْسَهُ ، فَكَانَتْ نَفَقَتُهُمْ كَنَفَقَتِهِ ، وَكَذَلِكَ زَوْجَتُهُ تُقَدَّمُ نَفَقَتُهَا لِأَنَّ نَفَقَتَهَا آكَدُ مِنْ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَفِيهَا مَعْنَى الْإِحْيَاءِ ، كَمَا فِي الْأَقَارِبِ ، وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْمُفْلِسِ وَزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ مِنْ مَالِهِ ، أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ .
وَتَجِبُ كُسْوَتُهُمْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا
بُدَّ مِنْهُ ، وَلَا تَقُومُ النَّفْسُ بِدُونِهِ ، وَالْوَاجِبُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ أَدْنَى مَا يُنْفَقُ عَلَى مِثْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَأَدْنَى مَا يَكْتَسِي مِثْلُهُ ، إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الطَّعَامِ أَوْ مُتَوَسِّطِهِ ،