فهرس الكتاب

الصفحة 6289 من 7845

الْمُدَّعِيَ هَاهُنَا يَأْخُذُ عِوَضَ حَقِّهِ الثَّابِتِ لَهُ ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُهُ لِدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُ ، وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ ، وَلِأَنَّهُ صُلْحٌ يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ ، فَصَحَّ مَعَ الْخَصْمِ كَالصُّلْحِ مَعَ الْإِقْرَارِ .

يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا صَحَّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ غِنَاهُ عَنْهُ ، فَلَأَنْ يَصِحَّ مَعَ الْخَصْمِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ أَوْلَى .

وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مُعَاوَضَةٌ .

قُلْنَا: فِي حَقِّهِمَا أَمْ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ ، وَالثَّانِي مُسَلِّمٌ ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضَ حَقِّهِ مِنْ الْمُنْكِرِ لِعِلْمِهِ بِثُبُوتِ حَقِّهِ عِنْدَهُ ، فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ فِي حَقِّهِ ، وَالْمُنْكِرُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْمَالَ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ وَالْيَمِينِ عَنْهُ ، وَيُخَلِّصُهُ مِنْ شَرِّ الْمُدَّعِي ، فَهُوَ أَبْرَأُ فِي حَقِّهِ ، وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ ثُبُوتُ الْمُعَاوَضَةِ فِي حَقِّ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا شَهِدَ بِحُرِّيَّتِهِ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، وَيَكُونُ مُعَاوَضَةً فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَاسْتِنْقَاذًا لَهُ مِنْ الرِّقِّ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي ، كَذَا هَاهُنَا .

إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا يَصِحُّ هَذَا الصُّلْحُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُعْتَقِدًا أَنَّ مَا ادَّعَاهُ حَقٌّ ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا حَقَّ عَلَيْهِ ، فَيَدْفَعُ إلَى الْمُدَّعِي شَيْئًا افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ ، وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ ، وَصِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنْ التَّبَذُّلِ ، وَحُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، فَإِنَّ ذَوِي النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ وَالْمُرُوءَةِ يَصْعُبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ، وَيَرَوْنَ دَفْعَ ضَرَرِهَا عَنْهُمْ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهِمْ ، وَالشَّرْعُ لَا يَمْنَعهُمْ مِنْ وِقَايَةِ أَنْفُسِهِمْ وَصِيَانَتِهَا ، وَدَفْعِ

الشَّرِّ عَنْهُمْ بِبَذْلِ أَمْوَالِهِمْ ، وَالْمُدَّعِي يَأْخُذُ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ الثَّابِتِ لَهُ ، فَلَا يَمْنَعُهُ الشَّرْعُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، بِقَدْرِ حَقِّهِ أَوْ دُونَهُ ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ بِقَدْرِهِ فَهُوَ مُسْتَوْفٍ لَهُ ، وَإِنْ أَخَذَ دُونَهُ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى بَعْضَهُ وَتَرَكَ بَعْضَهُ ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ فَقَدْ أَخَذَ عِوَضَهُ .

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَكْثَرِ مِمَّا ادَّعَاهُ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ لَا مُقَابِلَ لَهُ ، فَيَكُونَ ظَالِمًا بِأَخْذِهِ .

وَإِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ جَازَ ، وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَخْذَهُ عِوَضًا ، فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ .

فَإِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ شِقْصًا فِي دَارٍ أَوْ عَقَارٍ ، وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، وَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ ، وَالرُّجُوعُ فِي دَعْوَاهُ ، وَيَكُونُ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِبْرَاءِ ، لِأَنَّهُ دَفَعَ الْمَالَ افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ ، لَا عِوَضًا عَنْ حَقٍّ يَعْتَقِدُهُ فَيَلْزَمُهُ أَيْضًا حُكْمُ إقْرَارِهِ .

فَإِنْ وَجَدَ بِالْمُصَالَحِ عَنْهُ عَيْبًا ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُدَّعِي ؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت