وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ، وقَوْله تَعَالَى: { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِمَا { ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ: احْتَلَمْت فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ ، فَأَشْفَقْت إنْ اغْتَسَلْت أَنْ أَهْلِكَ ، فَتَيَمَّمْت ، ثُمَّ صَلَّيْت بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا عَمْرُو ، أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ ، وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ ، وَقُلْت: إنِّي سَمِعْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } .
فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا .
وَسُكُوتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ ؛ وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ كَالْجَرِيحِ وَالْمَرِيضِ ، وَكَمَا لَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ عَطَشًا أَوْ لِصًّا أَوْ سَبُعًا فِي طَلَبِ الْمَاءِ .
وَإِذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ .
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِحَدِيثِ عَمْرٍو ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَأَمَرَهُ بِهَا ؛ وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ ، أَشْبَهَ الْمَرِيضَ ؛ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ .
وَالثَّانِيَةُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْإِعَادَةَ كَنِسْيَانِ الطَّهَارَةِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَيُفَارِقُ نِسْيَانَ الطَّهَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ ، وَإِنَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ أَتَى بِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَضَرَ مَظِنَّةُ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ ، وَدُخُولِ الْحَمَّامَاتِ ، بِخِلَافِ السَّفَرِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعِيدُ إنْ كَانَ حَاضِرًا ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَعَلَى قَوْلَيْنِ .