وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ: مَا كَانَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، وَمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ دُونَ الْقِيمَةِ .
فَظَاهِرُ هَذَا وُجُوبُ الْمِثْلِ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا فِيهِ صِنَاعَةٌ ، كَمَعْمُولِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ مِنْ الْأَوَانِي وَالْآلَاتِ وَنَحْوِهَا .
وَالْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَشِبْهِهِ ، وَالْمَنْسُوجِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ ، وَالْمَغْزُولِ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ تُؤَثِّرُ فِي قِيمَتِهِ ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ ، فَالْقِيمَةُ فِيهِ أَحْصَرُ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ النُّقْرَةَ وَالسَّبِيكَةَ مِنْ الْأَثْمَانِ ، وَالْعِنَبَ وَالرُّطَبَ وَالْكُمَّثْرَى إنَّمَا يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا .
وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْهُ مَا فِيهِ الصِّنَاعَةُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَ النَّقْرَةَ بِقِيمَتِهَا ، لِتَعَذُّرِ وُجُودِ مِثْلِهَا إلَّا بِتَكْسِيرِ الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ وَسَبْكِهَا ، وَفِيهِ إتْلَافٌ .
فَعَلَى هَذَا ، إنْ كَانَ الْمَضْمُونُ بِقِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَجَبَتْ بِكُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ ، فَكَانَتْ مَوْزُونَةً وَجَبَتْ .
وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ، قُوِّمَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الرِّبَا .
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَتْ فِيهِ صِنَاعَةٌ مُبَاحَةٌ ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ مِنْ أَجْلِهَا ، جَازَ تَقْوِيمُهُ بِجِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهُ ، وَالصِّنَاعَةُ لَهَا قِيمَةٌ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كُسِرَ الْحُلِيُّ ، وَجَبَ أَرْشُ كَسْرِهِ ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ ، لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا يُقَابِلُهَا الْعِوَضُ فِي الْعُقُودِ ، وَيُقَابِلُهَا فِي الْإِتْلَافِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَنْفَرِدُ بِالْعَقْدِ ، وَتَنْفَرِدُ بِضَمَانِهَا بِالْإِتْلَافِ .
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَأْخُوذَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ ، فَالزِّيَادَةُ فِيهِ رِبًا ،