خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ ، لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا ، كَالْبِنَاءِ وَالْخِيَاطَةِ ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَيْهَا ، وَلَا نَجِدُ كُلَّ أَحَدٍ مُتَبَرِّعًا بِهَا ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا ، كَالرَّضَاعِ .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ: { أَطْعِمْهُ رَقِيقَك } .
دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ كَسْبِهِ ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْعِمَ رَقِيقَهُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ ، فَإِنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيُّونَ ، يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْأَحْرَارِ ، وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمَا أُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْجَارٍ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَتَسْمِيَتُهُ كَسْبًا خَبِيثًا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ
، فَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ خَبِيثَيْنِ ، مَعَ إبَاحَتِهِمَا وَإِنَّمَا كَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِلْحُرِّ تَنْزِيهًا لَهُ ؛ لِدَنَاءَةِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ .
وَلَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ كَسْبِ الْحَجَّامِ ، وَلَا الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا قَالَ: نَحْنُ نُعْطِيه كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَكْلِهِ نَهَاهُ ، وَقَالَ:"اعْلِفْهُ النَّاضِحَ وَالرَّقِيقَ".
وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، وَلَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِهِ ، بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ ، كَمَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَأَنَّ إعْطَاءَهُ لِلْحَجَّامِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ إذْ لَا يُعْطِيه مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُعَلِّمُ النَّاسَ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، فَكَيْفَ يُعْطِيهِمْ إيَّاهَا ، وَيُمَكِّنُهُمْ مِنْهَا ، وَأَمْرُهُ بِإِطْعَامِ الرَّقِيقِ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ نَهْيِهِ عَنْ أَكْلِهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ اتِّبَاعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مِنْ كَرِهَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ،