كَبِيرٍ مُبَاحٍ ، فَمَا لَمْ يَتَّصِلْ الْحَفْرُ لَا يَمْلِكُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحَجُّرٌ وَشُرُوعٌ فِي الْإِحْيَاءِ ، فَإِذَا اتَّصَلَ الْحَفْرُ ، كَمُلَ الْإِحْيَاءُ وَمَلَكَهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِحْيَاءِ أَنْ تَنْتَهِيَ الْعِمَارَةُ إلَى قَصْدِهَا ، بِحَيْثُ يَتَكَرَّرُ الِانْتِفَاعُ بِهَا عَلَى صُورَتِهَا ، وَهَذَا كَذَلِكَ .
وَسَوَاءٌ أَجْرَى فِيهِ الْمَاءَ أَوْ لَمْ يُجْرِ ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُهَيِّئَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ دُونَ حُصُولِ الْمَنْفَعَةِ ، فَيَصِيرُ مَالِكًا لِقَرَارِ النَّهْرِ وَحَافَّتَيْهِ ، وَهَوَاؤُهُ حَقٌّ لَهُ ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُهُ ، وَهُوَ مُلْقَى الطِّينِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَعِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ النَّهْرِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَمْ تُمْلَكْ ، فَهِيَ لَهُ } .
وَإِحْيَاؤُهَا أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا ، أَوْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا ، فَيَكُونَ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا حَوَالَيْهَا ، وَحَرِيمُ النَّهْرِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَكَانَ النَّهْرُ لِجَمَاعَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مُلِكَ بِالْعِمَارَةِ ، وَالْعِمَارَةُ بِالنَّفَقَةِ ، فَإِنْ كَفَى جَمِيعَهُمْ ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ ، وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ بِالْمُهَايَأَةِ أَوْ غَيْرِهَا جَازَ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ .
وَإِنْ تَشَاحُّوا فِي قِسْمَتِهِ ، قَسَمَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمْلِكُ مِنْ النَّهْرِ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، فَتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ صُلْبَةٌ ، أَوْ حَجَرٌ
مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ ، فَيُوضَعُ عَلَى مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ ، فِي مُقَدَّمِ الْمَاءِ ، فِيهِ حُزُوزٌ ، أَوْ ثُقُوبٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي السَّعَةِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ ، يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ أَوْ ثُقْبٍ إلَى سَاقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَإِذَا حَصَلَ الْمَاءُ فِي سَاقِيَتِهِ انْفَرَدَ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ أَمْلَاكُهُمْ مُخْتَلِفَةً قُسِّمَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ ، فَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهُ ، جُعِلَ فِيهِ سِتَّةُ ثُقُوبٍ ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ نُصُبٍ فِي سَاقِيَتِهِ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدٌ .
وَإِنْ كَانَ لَوَاحِدٍ الْخُمْسَانِ ، وَالْبَاقِي لِاثْنَيْنِ يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ ، جُعِلَ