لَمَّا كَانَتْ عَادٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ ، وَكَانَتْ لَهَا آثَارٌ فِي الْأَرْضِ ، نُسِبَ إلَيْهَا كُلُّ قَدِيمٍ ، فَكُلُّ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ لِلتَّمْلِيكِ ، فَلَهُ حَرِيمُهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَمَنْ سَبَقَ إلَى بِئْرٍ عَادِيَّةٍ ، كَانَ أَحَقَّ بِهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ لَهُ .
وَلَهُ حَرِيمُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ .
وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا .
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَيْسَ هَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّحْدِيدِ ، بَلْ حَرِيمُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَرْقِيَةِ مَائِهَا مِنْهَا ، فَإِنْ كَانَ بِدُولَابٍ فَقَدْرُ مَدَارِ الثَّوْرِ أَوْ غَيْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ بِسَاقِيَةٍ فَبِقَدْرِ طُولِ الْبِئْرِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { حَرِيمُ الْبِئْرِ مَدُّ رِشَائِهَا } .
أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي تَمْشِي إلَيْهِ الْبَهِيمَةُ .
وَإِنْ كَانَ يَسْتَقِي مِنْهَا بِيَدِهِ ، فَبِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْوَاقِفُ عِنْدَهَا .
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَخْرَجُ عَيْنًا ، فَحَرِيمُهَا الْقَدْرُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ صَاحِبُهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا ، وَلَا يَسْتَضِرُّ بِأَخْذِهِ مِنْهَا وَلَوْ عَلَى أَلْفِ ذِرَاعٍ .
وَحَرِيمُ النَّهْرِ مِنْ جَانِبَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا ثَبَتَ لِلْحَاجَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَيْ فِيهِ الْحَاجَةُ دُونَ غَيْرِهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا ، وَحَرِيمُ
الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا لِأَعْطَانِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ } وَعَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ .
وَلَنَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ