فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَمْ يَثْبُتْ .
وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَلَمْ يَقُلْ: ثُمَّ لَا يَعُودُ .
فَلَمَّا قَدِمْت الْكُوفَةَ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ بِهِ ، فَيَقُولُ: لَا يَعُودُ .
فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَقَّنُوهُ .
وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ ، وَغَيْرُهُ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ سَاءَ
حِفْظُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ، وَخَلَّطَ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّا كَانَ التَّرْجِيحُ لِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى لِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا أَصَحُّ إسْنَادًا ، وَأَعْدَلُ رُوَاةً ، فَالْحَقُّ إلَى قَوْلِهِمْ أَقْرَبُ .
الثَّانِي: أَنَّهَا أَكْثَرُ رُوَاةً ، فَظَنُّ الصِّدْقِ فِي قَوْلِهِمْ أَقْوَى ، وَالْغَلَطِ مِنْهُمْ أَبْعَدُ .
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ مُثْبِتُونَ ، وَالْمُثْبِتُ يُخْبِرُ عَنْ شَيْءٍ شَاهَدَهُ وَرَوَاهُ .
فَقَوْلُهُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِزِيَادَةِ عِلْمِهِ .
وَالنَّافِي لَمْ يَرَ شَيْئًا ، فَلَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ ، وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا قَوْلَ الْجَارِحِ عَلَى الْمُعَدِّلِ .
الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ فَصَّلُوا فِي رِوَايَتِهِمْ ، وَنَصُّوا عَلَى الرَّفْعِ فِي الْحَالَتَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِمَا ، ، وَالْمُخَالِفُ لَهُمْ عَمَّمَ بِرِوَايَتِهِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ وَغَيْرَهُ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ أَحَادِيثِنَا لِنَصِّهَا وَخُصُوصِهَا ، عَلَى أَحَادِيثِهِمْ الْعَامَّةِ ، الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا كَمَا يُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ ، وَالنَّصُّ عَلَى الظَّاهِرِ الْمُحْتَمَلِ .
الْخَامِسُ: أَنَّ أَحَادِيثَنَا عَمِلَ بِهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّتِهَا .
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ إمَامٌ .
قُلْنَا: لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُ ، لَكِنْ بِحَيْثُ يُقَدَّمُ عَلَى أَمِيرَيْ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَسَائِرِ مَنْ مَعَهُمْ ، كَلًّا ، وَلَا يُسَاوِي وَاحِدًا مِنْهُمْ ، فَكَيْفَ يُرَجَّحُ عَلَى جَمِيعِهِمْ ؟ مَعَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدْ تُرِكَ قَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ فِي أَشْيَاءَ ، مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُطَبِّقُ فِي الرُّكُوعِ ، يَضَعُ يَدَيْهِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ ، فَلَمْ يُؤْخَذْ بِفِعْلِهِ ، وَأُخِذَ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ ، وَتُرِكَتْ قِرَاءَتُهُ وَأُخِذَ بِقِرَاءَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَكَانَ لَا يَرَى