لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ ، وَلَمْ يَبْقَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، إذْ قَدْ نَفَى اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الْحُكْمَ يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ عِلَّتِهِ ؟ قُلْنَا: قَدْ رَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، وَاضْطَبَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَ الْفَتْحِ ، فَثَبَتَ أَنَّهَا سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: { رَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا ، وَفِي حَجِّهِ } وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ .
رَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي ( الْمُسْنَدِ )
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ عُمَرَ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ بِكَمَالِهَا ، يَرْمُلُ مِنْ الْحَجَرِ إلَى أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ ، لَا يَمْشِي فِي شَيْءٍ مِنْهَا .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَمْشِي مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ الْحُمَّى
، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ ، وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا .
فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا قَالُوا ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَعَدَ الْمُشْرِكُونَ مِمَّا يَلِي