بَلْ إنْ كَانَتْ فَرْضًا فَعَلَهَا بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ ، وَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا سَقَطَتْ .
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْحَجِّ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، قَالَ:"بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً".
وَلَوْ أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ ، كَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، وَلِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي تَرْكِ إتْمَامِ حَجِّهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ كَالْمُحْصَرِ ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةُ تَطَوُّعٍ ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا ، كَسَائِرِ التَّطَوُّعَات .
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ فَاتَهُ الْحَجُّ ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةِ ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ } وَلِأَنَّ الْحَجَّ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ ، فَيَصِيرُ كَالْمَنْذُورِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ التَّطَوُّعَات .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ
حَجَّةً وَاحِدَةً وَهَذِهِ إنَّمَا تَجِبُ بِإِيجَابِهِ لَهَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا ، فَهِيَ كَالْمَنْذُورَةِ ، وَأَمَّا الْمُحْصَرُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى التَّفْرِيطِ ، بِخِلَافِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَإِذَا قَضَى أَجْزَأَهُ الْقَضَاءُ عَنْ الْحَجَّةِ الْوَاجِبَةِ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْحَجَّةَ الْمَقْضِيَّةَ لَوْ تَمَّتْ لَأَجْزَأَتْ عَنْ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ قَضَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَقُومُ مَقَامَ الْأَدَاءِ .
الْفَصْلُ الرَّابِعُ ، أَنَّ الْهَدْيَ يَلْزَمُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ .
وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالْفُقَهَاءِ ، إلَّا أَصْحَابَ الرَّأْيِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا هَدْيَ عَلَيْهِ .
وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَوَاتُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْهَدْيِ ، لَلَزِمَ الْمُحْرِمَ هَدْيَانِ ؛ لِلْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ .
وَلَنَا ، حَدِيثُ عَطَاءٍ ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، وَلِأَنَّهُ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ ، فَلَزِمَهُ هَدْيٌ ، كَالْمُحْرِمِ ، لَمْ يَفُتْ حَجُّهُ ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ قَبْلَ فَوَاتِهِ .
إذَا