تَثْبُتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِالتَّأْجِيلِ .
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّنْبِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُجْزِئُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي مَوْجُودًا فِي الْفَرْعِ بِصِفَةِ
التَّأْكِيدِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا ؛ فَإِنَّ الْبُعْدَ مِنْ الضَّرَرِ لَيْسَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ ، وَإِنَّمَا الْمُصَحَّحُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ ، لَمْ نَذْكُرْ اجْتِمَاعَهُمَا فِيهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا افْتِرَاقَهُمَا .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ بَاعَهُ مَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ حَالًّا فِي الذِّمَّة ، صَحَّ ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى السَّلَمِ ، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي اللَّفْظِ .
الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السَّلَمِ كَوْنِ الْأَجَلِ مَعْلُومًا السَّلَم ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } .
وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ".
وَلَا نَعْلَمُ فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ اخْتِلَافًا فَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْلِمَهُ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ لَا يَخْتَلِفُ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ بِالْحَصَادِ وَالْجِزَازِ وَمَا أَشْبَهَهُ .
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَبْتَاعُ إلَى الْعَطَاء .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى .
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ شَيْءٌ يُعْرَفُ فَأَرْجُو ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إلَى قُدُومِ الْغُزَاةِ .
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ وَقْتَ الْعَطَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ فَأَمَّا نَفْسُ الْعَطَاءِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ مَجْهُولٌ يَخْتَلِفُ وَيَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَ الْعَطَاءِ ؛ لِكَوْنِهِ يَتَفَاوَتُ أَيْضًا ، فَأَشْبَهَ الْحَصَادَ .
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ ، بِأَنَّهُ أَجَلٌ يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مِنْ الزَّمَنِ ، يُعْرَفُ فِي الْعَادَةِ ، لَا يَتَفَاوَتُ فِيهِ تَفَاوُتًا كَثِيرًا ، فَأَشْبَهَ إذَا قَالَ: إلَى رَأْسِ السَّنَةِ .
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تَتَبَايَعُوا إلَى الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ ، وَلَا تَتَبَايَعُوا إلَّا إلَى شَهْرٍ مَعْلُومٍ .
وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَيَقْرُبُ وَيَبْعُدُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجَلًا كَقُدُومِ زَيْدٍ .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَعَثَ إلَى يَهُودِيٍّ ، أَنْ ابْعَثْ إلَيَّ بِثَوْبَيْنِ إلَى الْمَيْسَرَةِ } .
قُلْنَا: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَوَاهُ حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ .