أَشُدَّهُ وَهَذَا قَدْ بَلَغَ أَشُدَّهُ ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَدًّا ، وَلِأَنَّهُ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ مُكَلَّفٌ ، فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ ،
كَالرَّشِيدِ .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } .
عَلَّقَ الدَّفْعَ عَلَى شَرْطَيْنِ ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِهِمَا ، وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ } .
يَعْنِي أَمْوَالَهُمْ ، وَقَوْلُ اللَّه تَعَالَى: { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } فَأَثْبَتِ الْوِلَايَةَ عَلَى السَّفِيهِ ، وَلِأَنَّهُ مُبَذِّرٌ لِمَالِهِ ، فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ، كَمَنْ لَهُ دُونَ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ بِدَلِيلِ خِطَابِهَا ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ ، ثُمَّ هِيَ مُخَصَّصَةٌ فِيمَا قَبْلَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً بِالْإِجْمَاعِ ، لِعِلَّةِ السَّفَهِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، فَيَجِبُ أَنْ تُخَصَّ بِهِ أَيْضًا ، كَمَا أَنَّهَا لَمَّا خُصِّصَتْ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ لِأَجْلِ جُنُونِهِ قَبْلَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، خُصَّتْ أَيْضًا بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَنْطُوقِ أَوْلَى مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ الْمَفْهُومِ الْمُخَصَّصِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَوْنِهِ جَدًّا لَيْسَ تَحْتَهُ مَعْنَى يَقْضِي الْحُكْمَ ، وَلَا لَهُ أَصْلٌ يَشْهَدُ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، فَهُوَ إثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ بِالتَّحَكُّمِ .
ثُمَّ هُوَ مُتَصَوَّرٌ فِي مَنْ لَهُ دُونَ هَذِهِ السِّنِّ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ جَدَّةً لِإِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِمَنْ لَهُ دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَمَا أَوْجَبَ الْحَجْرَ قَبْلَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ يُوجِبُهُ بَعْدَهَا .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ ، وَلَا إقْرَارُهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ بَيْعُهُ وَإِقْرَارُهُ .
وَإِنَّمَا لَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ مَالُهُ ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ عِنْدَهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا مُنِعَ تَسْلِيمُ مَالِهِ إلَيْهِ لِلْآيَةِ .
وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي إقْرَارِهِ:
يَلْزَمُهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ، إذَا كَانَ بَالِغًا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ لِعَدَمِ رُشْدِهِ ، فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ وَإِقْرَارُهُ ،