وَالثَّانِي أَنَّ قِلَالَ هَجَرَ أَكْبَرُ مَا يَكُونُ مِنْ الْقِلَالِ ، وَأَشْهُرُهَا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ: وَهِيَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ ، مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ .
لَا تَخْتَلِفُ كَمَا لَا تَخْتَلِفُ الصِّيعَانُ وَالْمَكَايِيلُ ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقَعُ بِالْمَجْهُولِ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ الْحَبَابُ ، وَهِيَ مُسْتَفِيضَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الْقُلَّتَيْنِ عَلَيْهَا ؛ لِشُهْرَتِهَا وَكِبَرِهَا ، فَإِنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ جُعِلَ مِقْدَارًا وَاحِدًا لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا أَكْبَرَهَا ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْعِلْمِ ، وَأَقَلُّ فِي الْعَدَدِ ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ نِصَابُ الزَّكَاةِ بِالْأَوْسُقِ ، دُونَ الْآصُعِ وَالْأَمْدَادِ .
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِصَرِيحِهَا عَلَى أَنَّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِمَا وَقَعَ فِيهِ لَا يَنْجُسُ ، وَبِمَفْهُومِهَا عَلَى أَنَّ مَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ نَجِسٌ وَإِنْ كَثُرَ ، وَأَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ .
فَأَمَّا نَجَاسَةُ مَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ ، إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ لِلْمَاءِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رَائِحَةً ، أَنَّهُ نَجِسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ } .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .
وَقَالَ حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَاءِ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ ، قَالَ: لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَشْرَبُ ، وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ ، فَإِذَا صَارَتْ الْمَيْتَةُ فِي الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ ، فَذَلِكَ طَعْمُ الْمَيْتَةِ وَرِيحُهَا ،