وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ } .
فَنَصَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ ، وَالْمُبَرْسَمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ .
وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ غَائِبِ الْعَقْلِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمٌ ، كَالْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ .
وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ ، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ ،
صَحَّ إقْرَارُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي الْيَتِيمِ: إذَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ ، فَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ جَائِزٌ .
وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ اقْتَضَى شَيْئًا مِنْ مَالِهِ ، جَازَ بِقَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فِيهِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى: إنَّمَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ ، فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِحَالٍ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ ، وَلِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عَاقِلٌ مُخْتَارٌ ، يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ ، كَالْبَالِغِ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فِيمَا مَضَى ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ التَّكْلِيفِ وَالْإِثْمِ .
فَإِنْ أَقَرَّ مُرَاهِقٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هُوَ وَالْمُقَرُّ لَهُ فِي بُلُوغِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِبُلُوغِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ .
وَلَا يَحْلِفُ الْمُقِرُّ ؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِعَدَمِ بُلُوغِهِ ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَا بَعْدَ ثُبُوتِ بُلُوغِهِ ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا .
وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبِ مُبَاحٍ أَوْ مَعْذُورٍ فِيهِ ، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ ، لَا يُسْمَعُ إقْرَارُهُ .
بِلَا خِلَافٍ .
وَإِنْ كَانَ بِمَعْصِيَةٍ ، كَالسَّكْرَانِ ، وَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ عَامِدًا لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ .
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ .
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ تَجْرِي مَجْرَى الصَّاحِي .
وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ