عَاقِلٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ ، كَالْمَجْنُونِ الَّذِي سَبَّبَ جُنُونَهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ ، وَلِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يُوثَقُ بِصِحَّةِ مَا يَقُولُ ، وَلَا تَنْتَفِي عَنْهُ التُّهْمَةُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ ، فَلَمْ يُوجَدْ مَعْنَى الْإِقْرَارِ الْمُوجِبِ
لِقَبُولِ قَوْلِهِ .
وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْإِقْرَارِ لِرَجُلٍ ، فَأَقَرَّ لِغَيْرِهِ ، أَوْ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ ، فَيُقِرَّ بِغَيْرِهِ ، أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ ، فَأَقَرَّ بِطَلَاقِ أُخْرَى ، أَوْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً .
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ ، فَبَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِيُؤَدِّيَ ذَلِكَ ، صَحَّ بَيْعُهُ .
نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْبَيْعِ .
وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، سَوَاءٌ أَقَرَّ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالَةً عَلَى الْإِكْرَاهِ ، كَالْقَيْدِ وَالْحَبْسِ وَالتَّوْكِيلِ بِهِ ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى الْإِكْرَاهِ .
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ حَالَ إقْرَارِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ حَتَّى يُعْلَمَ غَيْرُهَا .
وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِإِقْرَارِهِ ، لَمْ تَفْتَقِرْ صِحَّةُ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْ يَقُولُوا طَوْعًا فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ سَلَامَةُ الْحَالِ وَصِحَّةُ الشَّهَادَةِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ إقْرَارِ السَّفِيهِ وَالْمُفْلِسِ وَالْمَرِيضِ فِي أَبْوَابِهِ .
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ دُونَ مَوْلَاهُ .
وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ مِنْ الْعَبْدِ
إلَّا الْمَالَ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، وَيَجِبُ الْمَالُ دُونَ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، وَهِيَ مَالُ السَّيِّدِ ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ ، كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ .
وَأَمَّا إقْرَارُهُ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ .
وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَالْمُزَنِيُّ وَدَاوُد وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّ سَيِّدِهِ بِإِقْرَارِهِ ، فَأَشْبَهَ الْإِقْرَارَ بِقَتْلِ الْخَطَأِ ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَنَّهُ