يُقِرُّ لِرَجُلٍ لِيَعْفُوَ عَنْهُ ، وَيَسْتَحِقَّ أَخْذَهُ ، فَيَتَخَلَّصُ بِذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ .
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ ، كَمَا دُونَ النَّفْسِ .
وَبِهَذَا الْأَصْلِ يَنْتَقِضُ دَلِيلُ الْأَوَّلِ .
وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ لَا يَصِحُّ عَفْوُ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ عَلَى مَالٍ إلَّا بِاخْتِيَارِ سَيِّدِهِ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إيجَابِ الْمَالِ عَلَى سَيِّدِهِ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِجِنَايَةِ الْخَطَأِ ، وَلَا شِبْهِ الْعَمْدِ ، وَلَا بِجِنَايَةِ عَمْدٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ ، كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ ، لِأَنَّهُ إيجَابُ حَقٍّ فِي رَقَبَتِهِ ، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الْمَوْلَى .
وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ حَقٍّ فِي مَالِهِ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ، وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ كَانَ مُوجِبُهَا الْقَطْعَ وَالْمَالَ ، فَأَقَرَّ بِهَا الْعَبْدُ ، وَجَبَ قَطْعُهُ ، وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ ، سَوَاءٌ كَانَ مَا أَقَرَّ بِسَرِقَتِهِ بَاقِيًا ، أَوْ تَالِفًا فِي يَدِ السَّيِّدِ أَوْ يَدِ الْعَبْدِ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي عَبْدٍ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ دَرَاهِمَ فِي يَدِهِ أَنَّهُ سَرَقَهَا مِنْ رَجُلٍ ، وَالرَّجُلُ يَدَّعِي ذَلِكَ ، وَسَيِّدُهُ
يُكَذِّبُهُ: فَالدَّرَاهِمُ لِسَيِّدِهِ ، وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ ، وَيُتْبَعُ بِذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ الْمَالِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهَانِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ ، فَيُدْرَأُ بِهَا الْقَطْعُ ، لِكَوْنِهِ حَدًّا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي يُقِرُّ بِسَرِقَتِهَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ السَّرِقَةِ فِيهَا ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْقَطْعِ بِهَا .
وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِالرِّقِّ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالرِّقِّ إقْرَارٌ بِالْمِلْكِ ، وَالْعَبْدُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِحَالٍ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ قَبِلْنَا إقْرَارَهُ ، أَضْرَرْنَا بِسَيِّدِهِ ، لِأَنَّهُ إذَا شَاءَ أَقَرَّ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ ، فَأَبْطَلَ مِلْكَهُ .
وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ السَّيِّدُ لِرَجُلِ ، وَأَقَرَّ هُوَ لِآخَرَ ، فَهُوَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ السَّيِّدُ ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ السَّيِّدِ ، لَا فِي يَدِ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَقَرَّ بِهِ مُنْفَرِدًا قُبِلَ .
وَلَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ مُنْفَرِدًا لَمْ