اسْتِثْنَاءً تَجَوُّزًا ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِدْرَاكٌ .
"وَإِلَّا"هَاهُنَا بِمَعْنَى"لَكِنْ".
هَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَحَكَاهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ .
وَالِاسْتِدْرَاكُ لَا يَأْتِي إلَّا بَعْدَ الْجَحْدِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ
يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ إلَّا بَعْدَ النَّفْيِ ، وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ الْإِثْبَاتُ ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ .
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَلَا مَدْخَلَ لِلِاسْتِدْرَاكِ فِي الْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلْمُقِرِّ بِهِ ، فَإِذَا ذَكَرَ الِاسْتِدْرَاكَ بَعْدَهُ كَانَ بَاطِلًا ، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ جُمْلَةٍ كَأَنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا لِي عَلَيْهِ .
فَيَكُونُ مُقِرًّا بِشَيْءٍ مُدَّعِيًا لَشَيْءٍ سِوَاهُ ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ ، وَتَبْطُلُ دَعْوَاهُ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بِغَيْرِ لَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: { فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيسَ } فَإِنَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِالسُّجُودِ غَيْرَهُمْ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَمَا كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ، وَلَا عَاصِيًا بِتَرْكِهِ ، وَلَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } .
وَلَا قَالَ: مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ .
فَإِنْ قَالُوا: بَلْ قَدْ تَنَاوَلَ الْأَمْرُ الْمَلَائِكَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ ، فَدَخَلَ إبْلِيسُ فِي الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ مَعَهُمْ .
قُلْنَا: قَدْ سَقَطَ اسْتِدْلَالُكُمْ ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ إبْلِيسُ دَاخِلًا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ، فَاسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْجِنْسِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ أَنْصَفَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَعَلَى هَذَا ، مَتَى قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا .
لَزِمَهُ الْأَلْفُ ، وَسَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، لَكِنْ لِي عَلَيْهِ ثَوْبٌ .
الْفَصْلُ الثَّانِي: إذَا اسْتَثْنَى عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّتِهِ ؛ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَهُوَ
قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ