وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَيَفْدِيهِمْ بِبَدَلِهِمْ يَوْمَ الْوَضْعِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ يَوْمَ الْمُطَالَبَةِ ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَضْمَنُهُ عِنْدَهُ إلَّا بِالْمَنْعِ ، وَقَبْلَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَحْصُلْ مَنْعٌ فَلَمْ يَجِبْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى ، أَنَّهُ يَحْدُثُ مَضْمُونًا ، فَيُقَوَّمُ يَوْمَ وَضْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ حَالٍ أَمْكَنَ تَقْوِيمُهُ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَفْدِيهِمْ بِهِ ، فَنَقَلَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِمِثْلِهِمْ فِي السِّنِّ ، وَالصِّفَاتِ ، وَالْجِنْسِ ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ فِي الْقِيمَةِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ بِقِيمَتِهِمْ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ ، فَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ:"رَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْغَاصِبِ".
يَعْنِي بِالْمَهْرِ ، وَمَا فَدَى بِهِ الْأَوْلَادَ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْأَوْلَادَ ، وَأَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الْوَطْءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَدْ غَرَّهُ الْبَائِعُ ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ .
فَأَمَّا الْجَارِيَةُ إذَا رَدَّهَا لَمْ يَرْجِعْ بِبَدَلِهَا ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ رَجَعَتْ إلَيْهِ ، لَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ .
وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَقَامَتْ عِنْدَهُ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أَجْرٌ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُهَا .
وَإِنْ اغْتَصَبَهَا بِكْرًا ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ بَكَارَتِهَا .
وَإِنْ نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ أَوْ غَيْرُهَا ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهَا .
وَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا .
وَكُلُّ ضَمَانٍ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ يَدَ الْغَاصِبِ سَبَبُ يَدِ الْمُشْتَرِي .
وَمَا وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ ، مِنْ أَجْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ ، أَوْ نَقْصٍ حَدَثَ عِنْدَهُ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ يَدِ الْمُشْتَرِي .
فَإِذَا طَالَبَ الْمَالِكُ الْمُشْتَرِيَ بِمَا وَجَبَ فِي يَدِهِ ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ ، فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي حِينَ الشِّرَاءِ عَلِمَ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الضَّمَانِ وُجِدَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ ضَرْبٌ لَا يَرْجِعُ بِهِ ، وَهُوَ قِيمَتُهَا إنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ ، وَأَرْشُ بَكَارَتِهَا ، وَبَدَلُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْبَائِعِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِذَلِكَ بِالثَّمَنِ ، فَإِذَا ضَمِنَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ .
وَضَرْبٌ يَرْجِعُ بِهِ ، وَهُوَ بَدَلُ الْوَلَدِ إذَا وَلَدَتْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَدُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ جِهَتِهِ إتْلَافٌ ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ أَتْلَفَهُ بِحُكْمِ بَيْعِ الْغَاصِبِ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ نَقْصُ الْوِلَادَةِ .
وَضَرْبٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، وَهُوَ مَهْرُ مِثْلِهَا وَأَجْرُ نَفْعِهَا ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛