عِوَضٍ ، كَالْهِبَةِ بِغَيْرِ ثَوَابٍ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَالْوَصِيَّةِ ، وَالْإِرْثِ ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الْمُنْتَقِلِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ ، أَنَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ ، وَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ .
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الشَّرِكَةِ كَيْفَمَا كَانَ ، وَالضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِالْمُتَّهَبِ دُونَ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ إقْدَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى شِرَاءِ الشِّقْصِ ، وَبَذْلَهُ مَالَهُ فِيهِ ، دَلِيلُ حَاجَتِهِ إلَيْهِ ، فَانْتِزَاعُهُ مِنْهُ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ أَخْذِهِ مِمَّنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ دَلِيلُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ انْتَقَلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، أَشْبَهَ الْمِيرَاثَ ، وَلِأَنَّ مَحَلَّ الْوِفَاقِ هُوَ الْبَيْعُ ، وَالْخَبَرُ وَرَدَ فِيهِ ، وَلَيْسَ غَيْرُهُ فِي مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ السَّبَبِ الَّذِي انْتَقَلَ بِهِ إلَيْهِ ، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا فِي غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِثَمَنِهِ ، لَا بِقِيمَتِهِ ، وَفِي غَيْرِهِ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ ، فَافْتَرَقَا .
فَأَمَّا الْمُنْتَقِلُ بِعِوَضٍ فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا عِوَضُهُ الْمَالُ ، كَالْبَيْعِ ، فَهَذَا فِيهِ الشُّفْعَةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ جَرَى مَجْرَى الْبَيْعِ ، كَالصُّلْحِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ ، وَالصُّلْحِ عَنْ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ، وَالْهِبَةِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا ثَوَابٌ مَعْلُومٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ ثَبَتَتْ فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ ، وَهَذَا مِنْهَا .
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ قَالُوا: لَا تَثْبُتُ
الشُّفْعَةُ فِي الْهِبَةِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا ثَوَابٌ حَتَّى يَتَقَابَضَا ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْقَبْضِ ، فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْقَبْضِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ ، كَالْبَيْعِ ، وَلَا يَصِحُّ مَا قَالُوهُ مِنْ اعْتِبَارِ لَفْظِ الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ صَرَفَ اللَّفْظَ عَنْ مُقْتَضَاهُ ، وَجَعَلَهُ عِبَارَةً عَنْ الْبَيْعِ ، خَاصَّةً عِنْدَهُمْ ، فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهَا النِّكَاحُ الَّذِي لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ .
الْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا انْتَقَلَ بِعِوَضٍ غَيْرِ الْمَالِ ، نَحْوُ أَنْ يَجْعَلَ الشِّقْصَ مَهْرًا ، أَوْ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ ، أَوْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ