إن الله تعالى يريد بنا، ويختار لنا ما فيه الخيرة لنا، ويحتجون بالآية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن حمل الآية على هذا الوجه إبطال لقول جميع المفسرين والقراء [1] ؛ أما المفسرون فإنهم ذكروا سبب نزولها [2] ، وحَمْلُ الآية على الوجه الثاني يُبطل ما قالوا.
وأما القراء فكلهم وقفوا على قوله: {وَيَخْتَارُ} ولو كان الأمر على ما يذهبون إليه لم يصح الوقف على: {وَيَخْتَارُ} وأيضًا فإن الكناية في قوله: {لَهُمُ} عن المشركين، يقول: ما كان للمشركين أن يختاروا على الله، فكيف يصح ما ذهبوا إليه.
وقال أبو جعفر النحوي: لو صح ما قالوه لكان وجه الكلام نصب {الْخِيَرَةُ} على خبر كان [3] ، ثم وإن صح على البُعد فتأويله ما ذكره الزجاج؛ وهو: أن هذا الاختيار يعود إلى ما اختار الله لعباده مما أمرهم به.
قال مقاتل: ثم نزه نفسه عن شركهم فقال: {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [4] وهذا يدل على أن الكناية في {لَهُمُ} عن المشركين خاصة.
(1) وقد ذكر أن في هذا ردًا على القدرية، علي بن سليمان."إعراب القرآن"للنحاس 3/ 241. أخرج ابن أبي حاتم 9/ 3002، عن أبي عون الحمصي، أنه إذا ذكر له شيء من قول أهل القدر، قال: أما يقرءون كتاب الله تبارك وتعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
(2) ذكره الواحدي في"أسباب النزول"339، بقوله: قال أهل التفسير: نزلت جوابًا للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله تعالى عنه: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم.
(3) "القطع والائتناف"2/ 515.
(4) "تفسير مقاتل"68 أ.