وهذا مذهب أهل التفسير [1] .
وجعل الفراء هذه الآية من باب حذف المضاف؛ فقال: يقول: أعبادة الله خير أم عبادة الأصنام [2] . وأحسن من هذا أن يقال: الله خير لمن عبده أم الأصنام؛ يدل على صحة هذا أن هذا ذُكر بعد ذكر هلاك الكفار وسلامة المؤمنين، إلزامًا للحجة على المشركين، فقيل لهم بعد ما ذُكر هلاك الكفار: الله خير أم الأصنام. والمعنى: أن الله نجَّى مَنْ عبده من الهلاك، والأصنامُ لم تغن شيئاً عن عابديها عند نزول العذاب. وهذا معنى ما ذهب إليه المفسرون؛ وإن لم يبينوا هذا البيان.
وقال أهل المعاني: يجوز في الخير الذي لا شر فيه، والشر الذي لا خير فيه إذا كان يتوهم بعض الجهال الأمر على خلاف ما هو به أن يقال: هذا الخير خير من الشر، فلما كان المشركون يتوهمون في الأصنام وفي عبادتها خيرًا، قيل لهم احتجاجًا عليهم: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [3] .
60 -قوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [4] تقدير الكلام: أما تشركون خير أم من خلق السموات والأرض، فحذف ذكر الأول لقرب
(1) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2906، عن السدي. وهو قول الهواري 3/ 260. وابن جرير 20/ 2. والثعلبي 8/ 133 ب.
(2) "معاني القرآن"للفراء 2/ 297.
(3) ذكر معناه النحاس،"إعراب القرآن"3/ 217. وسبق الحديث عن هذه المسألة في سورة الفرقان عند قوله تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [15] .
(4) قال الأخفش: مَنْ، هاهنا ليست باستفهام على قوله: {خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} إنما هي بمنزلة: الذي."معاني القرآن"2/ 650.