الرسول، فدل أنه إنما يُعرفُ الواجبُ بقول الرسولِ، ولا يجبُ شيءٌ على أحدٍ قبل بَعْثِ الرسولِ [1] ، ولذا وجبتْ الدعوةُ قبلَ القتالِ، حتى لو أن المسلمين أناخوا بساحةِ قومٍ لم تبلغهم الدعوةُ، لم يجز لهم أن يهجموا عليهم بالقتال والثُّباتِ [2] قبل تقديم الدعوة، ولو فعلوا ذلك ضَمِنوا دماءهم، كذلك قال الشافعي -رضي الله عنه- [3] .
16 -قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} هذا يُتَأول على وجهين:
أحدهما: أنهم أُمروا بالطاعة فعصوا، وهذا قول سعيد بن جبير [4] ، والمعنى على هذا: أَمَرْناهم على لسان رسولٍ بالطاعة ففسقوا، هذا نحو قولك: أمرتُك فعَصَيْتني، فقد عُلِمَ أن المعصية مخالفة للأمر [5] ، ولذلك؛
(1) وهو بهذا يرد على المعتزلة القائلين بأن الواجبات تجب بالعقل أولاً ثم بالشرع .. ، انظر:"فضل الاعتزال"ص 139 نقلاً عن كتاب"الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة"1/ 166.
(2) جمعُ ثُبَةٍ، وهي الفرقة، والمقصود النفير بفرق وسرايا. انظر:"عمدة الحفاظ"1/ 317.
(3) كتاب"الأم"4/ 157، بنحوه، وقد نص على ذلك الماوردي، وقال: فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وإنذارهم بالحجة، وقتلهم غرة وبياتًا ضمن ديات نفوسهم وكانت -على الأصح من مذهب الشافعي- كديات المسلمين، وقيل: بل كديات الكفار على اختلافها اختلاف معتقدهم."الأحكام السلطانية للماوردي"ص 46، انظر:"حواشي تحفة المحتاج على المنهاج"9/ 242،"الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته"1/ 206.
(4) أخرجه"الطبري"15/ 55، بنحوه، وورد في"تفسير الجصاص"3/ 195 بنصه، و"الطوسي"6/ 461، بنحوه.
(5) في المصدر: (الأمر) .