أحدهما: أنه أمر بالتولي عن الكفار ووعظ المؤمنين. يدل على هذا قوله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} قال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم [1] .
القول الثاني: أنه أمر أن يُذكر ويعظ الكفار. وهو قول مقاتل. يقول: عظ كفار مكة بوعيد القرآن، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، يعني من في علم الله أن يؤمن منهم [2] . وهذا القول أشد موافقة لما ذكرنا في الآية الأولى.
56 -قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} تعلقت القدرية بهذه الآية وقالوا: دلت الآية على أن الله تعالى خلق كل مكلف لعبادته وأراد منهم العبادة. ولا حجة لهم في هذه الآية إذا تدبرت قول العلماء فيها ومذاهبهم في تفسيرها [3] . والآية فيها مذاهب للمفسرين.
أحدهما: التخصيص، وهو أن المراد بالجن والإنس مؤمنو الفريقين. وهو قول الكلبي، والضحاك، والفراء، وعبد الله بن مسلم. قال الكلبي: هذا خاص لأهل طاعته. يعني: ما خلقت مؤمني الجن والإنس إلا ليعبدون [4] . وقال الضحاك: هذا خاص في أهل عبادة الله وطاعته. يدل عليه قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الأعراف: 179] والذين ذرأهم للنار لا يكونون ممن ذرأهم لعبادته. وهذه الآية التي نحن
(1) انظر:"الوسيط"4/ 181،"معالم التنزيل"4/ 235.
(2) انظر:"تفسير مقاتل"127 ب،"معالم التنزيل"4/ 235،"فتح القدير"5/ 92.
(3) انظر:"جامع البيان"27/ 8،"دقائق التفسير"لابن تيمية 4/ 527،"فتح القدير"5/ 92.
(4) انظر:"الكشف والبيان"11/ 190 ب،"الوسيط"4/ 181،"معالم التنزيل"4/ 235.