وقال الشافعي -رضي الله عنه-: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله، ولا يسقط به حقوق بني آدم ما كان قصاصًا، أو مظلمة في المال [1] .
وأما إذا تاب بعد القدرة عليه، فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه وتقام الحدود عليه. قال الشافعي: ويحتمل أن يسقط كل حد لله بالتوبة [2] .
وإنما قال ذلك لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد رجم ماعز [3] :"هلا رددتموه إلي لعله يتوب" [4] .
35 -قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} .
معنى {اتَّقُوا اللَّهَ} أينما ذكر: اتقوا عقابه بالطاعة؛ لأن أصل الإتقاء في اللغة الحجز بين الشيئين -قد ذكرناه قديمًا- [5] ، يقال: أتقي السيف بالترس، وأتقي الغريم بحقه.
وقوله تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} .
الوسيلة فعيلة من: وسل إليه، إذا تقرب إليه [6] ، قال لبيد:
(1) "الأم"6/ 152، وانظر: الطبري في"تفسيره"6/ 220.
(2) لم أجده في"الأم"، وقد ذكره القرطبي في"تفسيره"6/ 158، والنووي في"شرح صحيح مسلم"11/ 194، وقال القرطبي في"تفسيره"عقبه: والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصًا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه.
(3) هو ماعز بن مالك الأسلمي، وقيل: إن اسمه: عريب، وماعز لقبه، له صحبة، وقصة رجمه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي مشهورة. انظر:"أسد الغابة"5/ 8،"الإصابة"2/ 479، 3/ 337.
(4) أخرج هذه الرواية أبو داود (4419) كتاب الحدود، باب: رجم ماعز بن مالك، وانظر:"شرح صحيح مسلم"للنووي 11/ 194.
(5) انظر:"البسيط"البقرة: 189.
(6) انظر: الطبري في"تفسيره"6/ 226.