الجوع، كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا يرون دخانًا، فعلي هذا: الدخان هو الظلمة التي في أبصارهم من شدة الجوع [1] .
وذكر ابن قتيبة معنيين آخرين أحدهما: أن الجوع يقال له: دخان، ليُبْس الأرض في سنة الجدب، وانقطاع المطر وارتفاع الغبار فيه، فيشبه ما يرتفع منه بالدخان، ولهذا يقال لسنة المجاعة الغبراء، ومنه جوع أغبر، وهذا معنى قول مجاهد في قوله: {بِدُخَانٍ مُبِينٍ} قال: الجدب وإمساك القطر عن كفار قريش [2] . قال: وربما وضعت العرب الدخان موضع الشر إذا علا فيقولون: كان بيننا أمر ارتفع له دخان [3] .
القول الثاني في الدخان: أنه آية من آيات الله مرسلة على عباده قبل مجيء الساعة، فيدخل في أسماع أهل الغي ويعتري أهل الإيمان منه كهيئة الزكام، وهذا قول ابن عباس [والحسين] [4] وابن عمر وعلي [5] . روى الحارث [6] عنه أنه قال: الدخان لم يمض بعد يأخذ المؤمنين كهيئة الزكام،
(1) انظر:"معاني القرآن"للفراء 3/ 39، و"معاني القرآن"للزجاج 4/ 424، و"تفسير الطبري"13/ 112، و"الدر المنثور"7/ 406.
(2) انظر:"تفسير مجاهد"ص 597.
(3) انظر:"تفسير غريب القرآن"لابن قتيبة ص 402، و"مشكل القرآن وغريبه"2/ 125.
(4) كذا في الأصل وهو تصحيف، والصحيح (الحسن) .
(5) انظر:"تفسير الطبري"13/ 113، وتفسير الثعلبي 10/ 94 ب، و"تفسير البغوي"7/ 229، و"زاد المسير"7/ 339.
(6) هو الحارث بن قيس الجعفي الكوفي. روى عن ابن مسعود وعلى وعنه خيثمة ويحيى ابن هانئ قال ابن المديني: قتل مع علي، وقال ابن حبان في الثقات: مات الحارث في ولاية معاوية، وصلى أبو موسى على قبره بعد ما دفن. انظر:"تهذيب التهذيب"2/ 154، و"الإصابة"1/ 370.