والصلح من الفتح، واختاره الفراء، وقال: الفتح قد يكون صلحاً [1] فعلى قول هؤلاء معنى هذا الفتح هو صلح الحديبية، ومعنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق [2] . والصلح الذي حصل بينه وبين المشركين في ذلك اليوم كان مسدوداً عليه متعذراً حتى فتحه الله ذلك اليوم ويسره، ودخل بعد ذلك ناس كثير في الإسلام حتى قال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية [3] ، وقال الشعبي: أصاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك الوجه ما لم يصب في وجه، بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس [4] .
وقال الزهري: ما كان في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام [5] .
وقال الضحاك: فتحنا لك فتحاً بغير قتال، وكان الصلح من الفتح [6] .
وقال ابن عباس في رواية عطاء: اليهود شمتوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين
(1) انظر:"معاني القرآن"للفراء 3/ 64.
(2) انظر:"تهذيب اللغة" (فتح) 4/ 455،"اللسان" (فتح) 2/ 539.
(3) أخرج ذلك الطبري 13/ 70 عن جابر، ونسبه القرطبي 16/ 260 لجابر، ونسبه في"الوسيط"4/ 133 لجابر.
(4) ذكر ذلك الطبري في"تفسيره"13/ 71، الماوردي 5/ 309، البغوي 7/ 296, وابن الجوزي في"زاد المسير"7/ 418، والقرطبي في"الجامع"16/ 260.
(5) ذكر ذلك البغوي في"تفسيره"7/ 296، وابن الجوزي في"زاد المسير"7/ 419 , والقرطبي في"الجامع"16/ 261، والمؤلف في"الوسيط"4/ 133.
(6) ذكر ذلك البغوي في"تفسيره"7/ 296 عن الضحاك، وكذلك ذكره القرطبي عن الضحاك 16/ 260.