{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} [البقرة: 102] ، وسنذكره في موضعه، ومثل هذا قولك للرجل تعنفه بما سلف من قبيح فعله: ويحك لم تكذب؟ لم تُبَغِّض نفسك إلى الناس؟، كأنه قيل: لم هذا من شأنك [1] . قال الفراء: وذلك كثير في الكلام، أنشدني بعض العرب:
إذا ما انْتَسَبْنا لم تلدني لئيمةٌ ... ولم تَجِدِي من أن تُقِرِّي بها بُدَّا [2] .
يعني: أن الولادة قد مضت، وقد عبَّر عنها بجواب الجزاء، وذلك يكون في الاستقبال، كما تقول: إذا ما جئتني لم أضربْك، لم يوجد المجيء ولا الضرب [3] فالجزاء للمستقبل، والولادة قد مضت، وذلك أن المعنى معروف [4] يدل عليه، فجاز ذلك. والذي يدل على أن المراد بما في الآية المضي أن (لِمَ) معناه التعنيف، وأنت إنما تعنف الرجل بما سلف من فعله [5] .
(1) "معاني القرآن"للفراء 1/ 60 - 61 ونقله الطبري في تفسيره 1/ 420.
(2) البيت لزائد بن صعصعة الفقعسي يُعَرِّض بزوجته، وكانت أمها سرية، وذكره الفراء في"معاني القرآن"1/ 61، 178، ولم ينسبه وكذا الطبري في"تفسيره"1/ 328، 420، 3/ 73.
(3) من قوله: (يعني أن الولادة) ساقط من (ش) .
(4) "معاني القرآن"للفراء 1/ 61، ومن قوله: (يعنىِ أن الولادة) إلى قوله: (ولا الضرب) من كلام الواحدي، في"تفسيره".
(5) "معاني القرآن"للفراء 1/ 61 ونقله الطبري في تفسيره عنه 1/ 42 ذكر جوابًا آخر وهو أن معناه: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل، كقوله: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} أي: ما تلت، وكقول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت عنه وقلت: لا يعنيني
يريد بقوله: (ولقد أمر) : ولقد مررت. اهـ. قال في"البحر المحيط"1/ 307 نقلًا عن ابن عطية: وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر، ألا ترى أن حاضري محمد - صلى الله عليه وسلم - ولما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من قتل الأنبياء جزء.