اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ثم قال: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ} ، كأنه قال: من كان بهذه الصفة فما أصبرهم على النار، فعومل معاملة المعنى الذي تضمنه حتى كأنه قد لفظ به.
فأما المعنى: ففيه وجهان لأهل التأويل [1] :
أحدهما: أن (ما) هاهنا تعجب [2] ، كقولهم: ما أحسن زيدًا. فما: رفع بالابتداء، وأحسن: فعل ماض، وهو خبر الابتداء، وفيه ضمير يرجع إلى ما وهو فاعل أحسن، وزيدًا [3] : نصب [4] بأحسن، والتقدير: شيء أحسن هو زيدًا؛ وخُصَّتْ لفظة ما بالتعجب لإبهامها، وهي واقعة على الشيء الذي تتعجب منه، وذلك الشيء ليس مما يعقل [5] .
فإن قيل: قد قلتم: إن (ما) استعمل لإبهامها، فهلا استعمل (الشيء) إذ كان أبهم الأشياء؟
قيل: إن الشيء ربما يستعمل للتقليل، فلو قلت: شيء حسَّن زيدًا، لجاز أن يعتقد أنك تقلل المعنى الذي حسن زيدًا، وأيضًا: فإن الغالب في قولك: شيء حسّن زيدًا، أنه خبر عن معنى مستقر، وما يتعجب منه، فحقه أن يبهرك في الحال، فأما ما قد استقر وعرف فلا [6] يجوز التعجب منه،
(1) ينظر:"تفسير الطبري"2/ 90،"المحرر الوجيز"1/ 75 - 76،"زاد المسير"1/ 176 - 177.
(2) "تفسير الثعلبي"1/ 1359، قال في"البحر المحيط"1/ 494: والأظهر أنها تعجبية، وهو قول جمهور المفسرين.
(3) في (أ) : (نصبت) .
(4) في (أ) : (نصبت) .
(5) "البحر المحيط"1/ 494.
(6) سقطت من (ش) .