كما يقولون: متى تظنك خارجًا ومتى تراك. وذلك أنهم أرادوا الفصل بين الفعل الذي قد يُلغى وبين الفعل الذي لا يجوز إلغاؤه، ألا ترى أنك تقول: أنا أظن خارج فتلغي أظن، وقال الله تعالى: {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 7] ، ولم يقل: رأى نفسه، وجاء في ضرورة الشعر إجراء الأفعال التامة مجرى النواقص، قال جران العود [1] :
لَقَدْ كَانَ لي في ضَرَّتَيْنِ عَدِمْتُني ... وما كنت ألقى من رزينة أبرحُ [2]
والعرب تقول: عدمتني ووجدتني وفقدتني، وليس بوجه الكلام) [3] وهذا كله صحيح، ولم يخالف إلا في الكاف التي في أرأيتك بمعنى أخبرني، فإنه قال: [(موضع الكاف نصب وتأويله رفع؛ لأن الفعل محول عن التاء إليها، وهي بمنزلة الكاف في دونك إذا أُغري بها، كما تقول: دونك زيدًا، فتجد الكاف] [4] في اللفظ خفضًا وفي المعنى رفعًا؛ لأنها
(1) جِران العَوْد، هو: عامر بن الحارث بن كلدة النُّمَيري، شاعر إسلامي وصاف. وجران العود لقب غلب على اسمه، وهو بالكسر وفتح الراء: جلد عُنُق الدابة، سمي به؛ لأنه اتخذ منه سوطًا، وأورده في شعره.
انظر:"كنى وألقاب الشعراء"لابن حبيب ص 35، و"الشعر والشعراء"ص 480، و"المبهج"لابن جنى ص 169، و"الصحاح"5/ 2091 (جرن) ، و"اللباب"لابن الأثير 1/ 269، و"تاج العروس"18/ 106 (جرن) ، و"الأعلام"3/ 250.
(2) "ديوانه"ص 39، 40، و"الدر المصون"4/ 622، وهذه هي رواية الفراء في"معانيه"1/ 334، وفي المراجع:
لقد كان لي عن ضرتين عدمنني ... وعَمَّا أُلاقي منهما مُتَزَحْزِحُ
والشاهد: عدمتني: حيث جمع بين ضمير الفاعل والمفعول.
(3) "معاني الفراء"1/ 333 - 334، بتصرف واختصار، ونصر الواحدي عند السمين في"الدر"4/ 621 - 622 عن الفراء.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من (ش) .