قال الفراء [1] :"لا جرم"كلمة كانت في الأصل بمنزلة [2] (لا بد) و (لا محالة) ، فكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة (حقا) ، ألا ترى أن العرب يقول: لا جرم لآتينك، فتراها بمنزلة اليمين، وكذلك فسرها المفسرون [3] في قوله تعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ} حقا [4] ، انتهى كلامه، وعلى هذا معنى {لَا جَرَمَ} أي لا قطع قاطع عن أنهم في الآخرة هم الأخسرون، إلا أنه كثر حتى صار كالمثل، فإذا قالوا: لا جرم، فكأنهم قالوا: حقًا، والأصل مما ذكرنا، ووضع موضع القسم في قولهم: لا جرم لأفعلن كذا، كما قالوا: حقًا لأفعلن، إذ جعلوه بدلاً من اليمين، وهذا قول في هذه الكلمة.
وقال الزجاج [5] : معنى لا جرمِ: (لا) نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك، {جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} أي: كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وذكرنا {جَرَمَ} هو بمعنى كسب في قوله: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} [6] .
قال الأزهري [7] : وهذا من أحسن ما قيل فيه.
قال ابن الأنباري: (جرم) على هذا القول فعل ماض، وفاعله مضمر
(1) "معاني القرآن"2/ 8.
(2) ساقط من (ي) .
(3) انظر: الطبري 12/ 23، البغوي 4/ 169، ابن عطية 7/ 266 - 268،"البحر المحيط"5/ 212، الرازي 17/ 208، القرطبي 9/ 20.
(4) ساقط من (ب) .
(5) "معاني القرآن وإعرابه"3/ 46.
(6) المائدة: 2. قال هنالك: وأكثر أهل اللغة والمعاني يقولون: لا يكسبنكم، ونقل ذلك عن جماعة منهم الفراء وابن الأنباري وأبو علي الفارسي وغيرهم.
(7) "تهذيب اللغة"1/ 587 - 588 (جرم) ، قال:"وهذا من أبين ما قيل فيه".