وقال عامة المفسرين [1] : وخروا ليوسف سجدًا على جهة التحية، لا على معنى العبادة، وكان أهل ذلك الدهر يحييَّ بعضهم بعضًا بالسجود والانحناء، فحظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا ونهى عنه [2] ، والسجود معناه في اللغة [3] : الانحناء مع الخضوع والتذلل، ذكرنا ذلك فيما تقدم، وعلى هذا كان ذلك سجودًا من غير سقوط على الأرض كما يقال: قد سجد القف [4] من الأرض للحوافر، إذا خضع لها فذل ومنه [5] :
تَرَى الأُكْمَ منه سُجَّدًا للحَوَافِرِ
قال ابن الأنباري [6] : والخرور في هذا القول لا يُعْنى به السقوط والوقوع، لكن المراد به: المرور، سمعت أبا العباس يحكي هذا، واحتج
(1) الطبري 13/ 68، والثعلبي 7/ 112 ب، والبغوي 4/ 280، و"زاد المسير"4/ 290، وابن عطية 8/ 80، والقرطبي 9/ 265، وابن أبي حاتم 7/ 2202.
(2) أخرجه الترمذي في"جامعه" (2728) كتاب الاستئذان والآداب، باب: ما جاء في المصافحة، وابن ماجه في"سننه" (3702) كتاب الأدب، باب: المصافحة عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال:"لا"قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال:"لا"قال: فيأخذه بيده ويصافحه؟ قال:"نعم". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وحسنه الألباني في"صحيح سنن الترمذي" (ح 2195) .
(3) "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، و"اللسان" (سجد) 4/ 1941.
(4) قال الليث: القف: ما ارتفع من متون الأرض وصلبت حجارته، وقال شمر: القف ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلاً، انظر:"تهذيب اللغة"3/ 3021 - 3022، و"اللسان" (قفف) 6/ 3705.
(5) القائل زيد الخيل"ديوانه"/ 66، و"الزاهر"1/ 141، و"اللسان" (سجد) 4/ 1941.
(6) "الزاهر"1/ 47، 48، والرازي 18/ 212.