وحُكي عن أبي بكر الوراق [1] أنه قال في معنى هذا الحديث: من عرف نفسه مخلوقة مرزوقة بلا حول ولا قوة، عرف ربه خالقًا رازقًا بالحول والقوة [2] ، وقد أوحى الله إلى داود: كيف عرفتني، وكيف عرفت نفسك؟ فقال: عرفتك بالقدرة والقوة والبقاء، وعرفتُ نفسي بالعجز والضعف والفناء، فقال: الآن عرفتني [3] . فإذا كان من عرف نفسه عرف ربه، كان من جهل نفسه جهل ربه حتى يرغب [4] عن ملة إبراهيم.
ثم بعد هذه الأقوال، قد حكي عن الخليل قول حَسَنٌ، وهو أنه قال: تجيء أفعال تتعدى إلى النفس خاصة، نحو: سَفِه نفسَه وصَبَر نفسَه، ولا يقال: سَفهتُ زيدا [5] ولا صبرتُه، قال عنترة [6] :
فصبرتُ عارفةً لذلك حُرّةً ... ترسُو إذا نفسُ الجبان تَطَلَّعُ [7]
أراد: صبرتُ نفسًا عارفة. وبهذا قال الكسائي، فقال في قوله: {سَفِهَ نَفْسَهُ} و {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58] ، {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 150] ، ووجع بطنَه، ورشِد أمرَهُ وخسِر نفسَه: هذه حروف تقولها العرب
(1) الإمام المحدث أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس البغدادي المستملي الوراق، تقدمت ترجمته [البقرة: 6] .
(2) ذكره في"الوسيط"1/ 214.
(3) ذكره الواحدي في"الوسيط"1/ 215، والبغوي 1/ 153.
(4) في (م) : (حتى يذهب يرغب) .
(5) في (م) : (سفهت نفسه زيدًا) .
(6) هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، من أشهر فرسان العرب وشجعانهم، من أصحاب المعلقات، يعد من الطبقة السادسة لفحول شعراء الجاهلية. ينظر:"الشعر والشعراء"ص 149،"الأعلام"5/ 91.
(7) البيت لعنترة، تقدم تخريجه [البقرة: 44] .