وفي هذه الآية حجةٌ على من أنكر القياس؛ لأن الله تعالى احتجَّ فيها على المشركين، ولا يجوز أن يدلَّهم إلاَّ بما فيه دليلٌ. فقياس [1] خَلْقِ عيسى من غير ذَكَرٍ، كقياسِ خَلْقِ آدم، بل الشأن فيه أعجب؛ لأنه خُلِقَ من غير ذَكَرٍ ولا أنثى.
وقوله تعالى: {عِنْدَ اللَّهِ} . أي: في الخَلْق والإنشاء. خَلَقَ عيسى من غير أب، كما خَلَقَ آدمَ من غير أبٍ ولا أُمٍ. وتمَّ الكلام عند قوله: {كَمَثَلِ آدَمَ} [2] ، وهو جملةُ تامَّةٌ، وتشبيهٌ كاملٌ. ولو اقتصر عليه حصل المراد. قال: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} وهذا ليس بِصِلَه لـ {آدَمَ} ، ولا صِفَةٍ، لأن الصلة للمبهمات [3] ، والصفة للنكرات [4] ، ولكنَّهُ خبرٌ مستأنَفٌ على جهة التفسير لحال آدم [5] .
(1) في (ب) : (فيقاس) .
(2) ممن قال بأن الوقف تامٌّ: يعقوب، وقال أبو بكر بن الأنباري: إن الوقف هنا: حسنٌ، وليس بتامٍّ ولا كافٍ. انظر كتاب"إيضاح الوقف والابتداء"لابن الأنباري: 2/ 578،"القطع والائتناف"للنحاس 226،"منار الهدى"للأشموني: 63.
(3) لأن (آدم) معرفة، والمعارف لا تُوصل، وإنما الصلات للنكرات. انظر:"معاني القرآن"للفراء: 1/ 219،"تفسير الطبري"3/ 296.
(4) لأن الجُمَل بعد النكرات صفات، و (آدم) مَعْرِفة، ولذا لا تكون الجملة بعده صفة له، لأن الجمل لا تكون إلا نكرة، فلا توصف بها معرفة.
(5) أي: إنها جملة مفسرة لوجه التشبيه، فلا وجه لها من الإعراب، وهذا الوجه هو الأظهر.
وقيل: إنها في محل نصب على الحال من (آدم) ، مع تقدير (قَدْ) معها لتقربه من الحال؛ لأن الفعل الماضي لا تصل بالأعلام إلا إذا أضمر معه (قَدْ) ، والعامل فيها معنى التشبيه. وقال أبو البركات بن الأنباري في كتابه"البيان": إنها جملة مفسرة للمَثَلِ، وهي في موضع رفع؛ لأنها خبر لمبتدأ محذوفٍ؛ كأنه قيل: ما =