في هذا يعود معناه إلى هذا القول [1] ، ولقد أوجز من قال: فرق جمع كل ناقض بما تبلغ من هؤلاء [2] ، وقال مقاتل: فنكل بهم من بعدهم من العدو وأهل عهدك {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} النكال فلا ينقضون العهد [3] .
ومعنى نكل بهم: أي افعل بهم فعلًا ينكل غيرهم عنك بسبب ذلك الفعل خوفًا منك، وقال صاحب النظم: معنى {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} اقتلهم ليخافوك غيرهم فيتفرقوا عنك، وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} معنى راجع إلى (مَنْ خَلْفَهُم) ؛ لأنهم إذا قتلوا فليس لذكر قوله: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} معنى، فهو منظوم بقوله: {مَنْ خَلْفَهُمْ} والتأويل: فشرد بقتلهم والإنكاء [4] فيهم (مَنْ خَلْفَهُم) أي من بعدهم، يكن ذلك تخويفًا وعظة لهم، وهذا معنى قول ابن عباس: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} لكي يتعظوا [5] .
(1) اختلاف المفسرين في ذلك الفعل إنما هو اختلاف تنوع وتمثيل، وإذا تبين لنا أن هذه الآية نزلت في بني قريظة فالأولى تفسير التشريد بما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم من قتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم؛ وذلك لأمرين:
أ- أن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتثال لأمر ربه وهو أعلم بمراده
ب- أن سعد بن معاذ لما حكم فيهم بأن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية والنساء قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"قضيت بحكم الله". رواه البخاري (3804) كتاب: المناقب، باب: مناقب سعد بن معاذ، ومسلم (1768) كتاب: الجهاد، باب: جواز قتال من نقض العهد، والظاهر أن حكم الله هو المذكور في هذه الآية.
(2) ذكره الثعلبي 6/ 68 ب دون ذكر قائله، وروى ابن جرير 10/ 26، عن ابن زيد لفظا مقاربًا ونصه: أخفهم بما تصنع بهؤلاء.
(3) "تفسير مقاتل"123 ب.
(4) الإنكاء: إكثار الجراح والقتل في العدو حتى يهن ويضعف. انظر:"لسان العرب" (نكي) 8/ 4545، وفي (س) : والإنكال، وهو خطأ.
(5) رواه الفيروزأبادي في"تنوير المقباس"ص 184 بنحوه.