فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 4610

تقديم الكتاب من صاحب التَّحرير والقلم، فرع السُّلالة النبوية، الأديب الأريب، الحبر النَّبيل، ذي التَّآليف الشَّهيرة والتَّصانيف الكثيرة، فضيلة الأستاذ الشَّيخ

أبي الحسن علي الحسني النَّدوي

معتمد دار العلوم ندوة العلماء لكهنؤ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد المرسلين وخاتم النَّبيين محمد، وآله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

أمَّا بعد: فممَّا تقرَّر عند المشتغلين بصناعة الحديث تدريسًا وتصنيفًا وشرحًا وتحقيقًا، أن الأبواب والتَّراجم في «الجامع الصَّحيح» ، لأمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري _رحمه الله_ من أدق البحوث والمطالب، ومن أعمقها غورًا وأبعدها مدى، حتى اشتهر بين العلماء أنَّ فقه البخاري في تراجمه، وأصبح ذلك شعارًا لهذا الكتاب، يتميز به عن أقرانه الصِّحاح، على جَلالة قدرها وفخامة شأنها، وأصبح مقياسًا لفطنة العلماء، وتوقد ذكائهم، وسيلان ذهنهم وبعد غورهم، واقتدارهم على فهم هذا الكتاب الجَّليل، وحل غوامضه وفتح أغلاقه، والتَّوصل إلى مقاصد المؤلِّف.

لا يُشهد لمؤلِّفٍ أو مدرسٍ ببراعة في العلم، وتفوُّق في التَّدريس، وسعة إطِّلاع على الشُّروح والحواشي، وأقوال الأئمة والفحول من المحدِّثين، وطُولِ ممارسة لتدريس هذا الكتاب الشَّريف، وإضْناء القُوى، وإفناءِ العمر في ذلك؛ حتى يجتمع له الشَّيء الكثير من هذا الباب، وينفرد بتوجيهات وتعليلات تنحل بها الألغاز، وتنفتحُ بها الأقفال، وتخلوا عنها بطون الأسفار.

ولذلك عُنيَ بهذا الموضوع العلماء قديمًا وحديثًا، وأجالوا فيه قرائحهم، وأركضوا في هذا السِّباق جيادهم، واعتصروا في ذلك عقولهم الرَّاجحة، وعلومهم الرَّاسخة، ولا نعرف أديبًا أو بليغًا تعمق في فهم بيت من الأبيات، ومعرفة معنى من المعاني الشّعرية، والوصول إلى غاية من غايات الشُّعراء، مثل تعمق شُرَّاح «الجامع الصَّحيح» ، والمشتغلين بتدريسه في فهم مقاصد المؤلِّف وشرح كلامه.

ولا نعرف _على طُول اشتغالنا بالتَّاريخ العلمي_ مؤلفًا من مؤلَّفات العلماء أو الحكماء عُنيَ به رجال ذلك الفنِّ، وعكفوا على حلِّ غوامضه، وفكِّ مشكلاته، حتى شقُّوا فيه الشَّعرة، مثل ما عُنيَ علماء الحديث

ج 1 ص 2

«بالجامع الصَّحيح» ، وما ذلك إلَّا لإخلاص مؤلفه لعلم الحديث الشَّريف، وانقطاعه إليه وجهاده في سبيله، وتفانيه في ذلك. كما بينا ذلك في تقديمنا لمقدمة «لامع الدَّراري» .

وما ذلك كذلك إلَّا لشدَّة اعتناء الأمة الإسلامية بكل ما يتصل بالحديث النَّبوي الشَّريف، ويتصل بالشَّخصية النَّبوية الَّتي ضمن الله لها برفع الذِّكر، وتخليد الأثر، وارتفاع المنار، ولسان صدق في العالمين، حتى تخَطَّت هذه البركة وسرَت إلى من اتصل به عن قريب أو بعيد، فأدركت كل من انخرط في سلك الرّواة على مدى العصور والأجيال، فرفعت عنه اللِّثام، وأزالت عنه لوثة النَّكارة، أو وصمة الجهالة، فدُوِّن في كتب أسماء الرِّجال اسمه واسم أبيه، وذُكِر كثير من أخباره، وبُحِث عن نسبه ونسبته ودراسته، ونشأته وأمانته وعدالته، حتى أصبح عَلَمًا يُعرَف، ومعرفة لا تُنْكر، وفاق في ذلك على كثير من المصلحين في أمم أخرى، وكثير من العظماء والأبطال ومؤسسي الحكومات.

حتى قال أحد المستشرقين الكبار وهو العالم الألماني المعروف «إسبرنجر» في مقدِّمته بالإنجليزية على كتاب «الإصابة» المطبوع في كلكتة سنة 1853 - 1864 م ولم تكن فيما مضى أمَّة من الأمم السَّالفة، كما أنَّه لا توجد الآن أمَّة من الأمم المعاصرة أتت في علم أسماء الرِّجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر، الَّذي يتناول أحوال خمس مائة ألف رجل وشئونهم.

لم يقتصر هذا البِرُّ والرِّفد على الأولياء والمحبِّين من أمَّته، والخادِمين لدينه وعلمه، بل تعدى ذلك إلى الأعداء الكاشحين والمناوئين لدينه، فعرف به العالم كثيرًا من أعدائه الألدَّاء، ممن طوتهم الجاهلية وطمستهم الأيام، فبقيت أسماؤهم وكثير من أخبارهم بفضل السِّيرة النَّبوية والحديث النَّبوي، ولولاهما لذهبت أخبارهم أدراج الرِّياح، وطارت بأسمائهم العنقاء، فلا عجب إذا كان العصر الغابر والتاريخ الماضي يتمثَّلان بيت الشَّاعر العربي ويخاطبان هذه السَّحابة الَّتي مرت بهما فأفاضت عليهما الحياة والنَّماء وينشدان:

~فَاذْهَب كما ذَهَبت غَوانِي مُزْنَة أَثْنى عَليْها السَّهل والأَوْعَار

ونعود إلى الحديث فنقول: وكان مَظهرًا من مَظاهر هذه العناية الفَائقة بهذا الكتاب الفَذِّ، عناية العلماء بتراجم الأبواب في «الجامع الصَّحيح» ، فتناوله كُلُّ من شرح هذا الكتاب، أو عَلَّق عليه، أو عَكَف على تدريسه، وأفْردَ بعضهم له تأليفات فات كثيرًا من المؤرخين أسماؤها، شأن العلوم الأخرى.

ومن المؤلَّفات الَّتي حُفظت أسماؤها وجاءت الإشارة إليها ثلاثة مؤلَّفات في هذا الموضوع ذكرها الكاتب الجلبي المشهور باسم الحاج خليفة المتوفي: 1064 هـ في كتابه الشهير «كشف الظُّنون عن أسامي الكتب والفنون» وهي [1] :

1 -كتاب الإمام ناصر الدِّين علي بن محمد بن المنير الإسكندراني سماه «المتواري على تراجم البخاري» .

2 - «ترجمان التراجم» لأبي عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري السَّبتي المتوفي سنة 721 هـ، قال الجلبي وهو على أبواب الكتاب ولم يُكْمِله.

3 - «حلُّ أغراض البخاري المبهمة، في الجمع بين الحديث والتَّرجمة» [2] وهو مائة ترجمة للفقيه أبي عبد الله محمد بن منصور ابن حمامة المغراوي السَّجلماسي المتوفي سنة 370 هـ سماه «مصابيح الجامع» [3] .

وأضاف إلى هذه الكتب الثَّلاثة مسند الهند، وأستاذ الأساتذة فيها، الشَّيخ عبد العزيز بن ولي الله الدُّهلوي م 1239 هـ كتابًا رابعًا في كتابه المفيد «بستان المحدثين» وهو: «تعليق المصابيح على أبواب الجامع الصَّحيح» لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر عمر القرشي المخزومي الإسكندراني الملقَّب ببدر الدِّين المعروف بالدَّماميني المتوفي 828 هـ [4] .

هذا ما أثر عن المتقدمين والأئمة المحققين في البلاد الإسلامية العربية [5] .

ومن المعروف أنَّ علماء الهند قد سمت همتهم في خدمة علم الحديث، وتفَنَّنوا فيها كلِّ تفنُّن، فكانت لهم في كل فنٍّ من فنونه وغرض من أغراضه جولة، وقد انتهت إليهم رئاسة علم الحديث، والصَّدارة في تدريسه ونشره في العصر الأخير، فلا بد أن تكون لهم مؤلَّفات لم تصل إلينا أسماؤها، وجزى الله عنا وعنهم مؤلِّف كتاب «الثَّقافة الإسلامية في الهند» إذ حفظ لنا الشَّيء الكثير من مؤلَّفات علماء الهند في علم الحديث، واستقصاها استقصاءًا كبيرًا.

ولكنَّه لم يذكر مما ألف في موضوع الأبواب والتَّراجم إلَّا رسالة لشيخ مشايخ الهند، وأستاذ الأساتذة، وناشر علم الحديث في هذه الدِّيار، الإمام ولي الله بن عبد الرَّحيم الدَّهلوي المتوفي سنة 1176 هـ، وهي رسالة وجيزة المباني، غزيرة المعاني [6] ، تكاد تكون كلُّها أصولًا كلِّية ونكتا حكمية، ولب اللُّباب في فهم التَّراجم والأبواب، شأنه في كل موضوع يطرقه، وبحث يتناوله.

ومن المرجح أنَّ مؤلِّف الثَّقافة لم يطلع على رسالة العلامة الشَّيخ محمود حسن الدِّيوبندي المتوفي 18 ربيع الأوَّل سنة 1339 هـ المعروف بشيخ الهند، فإنَّما طبعت بعد وفاة مؤلف الثَّقافة المتوفي سنة 1341 هـ [7] .

وهذا جلُّ ما انتهى إلينا من أخبار الكتب والرسائل في موضوع الأبواب والتراجم للبخاري في الماضي.

وسر الغموض في هذه الأبواب والتَّراجم تنوع مقاصد المؤلِّف الإمام، وبعد مراميه، وفرط ذكائه، وحدة ذهنه، وتعمقه في فهم الحديث، وحرصه على الاستفادة منه أكبر استفادة ممكنة، فهو كنحلة حريصة توَّاقة، تجتهد أن تتشرب من الزَّهرة آخر قطرة من الرَّحيق، ثم تحولها إلى عسل مصفى فيه شفاء للنَّاس.

وشأن الإمام البخاري مع الحديث النَّبوي الصَّحيح، شأن العاشق الصَّادق، والمحب الوامق، مع الحبيب الَّذي أسبغ الله عليه نعمة الجمال والكمال، وكساه ثوبًا من الرَّوعة والجلال، فهو لا يكاد يملأ عينيه منه، وهو كلما نظر

ج 1 ص 3

ج 1 ص 4

إليه اكتشف جديدًا من آيات جماله، فازداد افتنانًا وهيامًا، ورأى جماله يتجدد في كل حين، وإذا الوجه غير الوجه، والجمال غير الجمال، فلا قديم في الحب، ولا إعادة عند المحب، وصدق الشاعر:

~يَزِيدُكَ وجْهُهُ حُسْنًا إذا ما زِدْتَه نَظَرًا

ولذلك نرى الإمام البخاري لا يكاد يشبع من استخراج المسائل واستنباط الفوائد، والنُّزول إلى أعماق الحديث، والتِّقاط الدُّرر منه، والخروج على قرائه بها، حتى يذكر حديثًا واحدًا أكثر من عشرين مرة:

1 -وقد روى حديث بريرة عن عائشة رضي الله عنهما أكثر من اثنتين وعشرين مرة، واستخرج أحكامًا وفوائد جديدة.

2 -وروى حديث جابر رضي الله عنه قال: «كنت مع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة فأبطأ بي جملي وأعيا» ... الحديث، أكثر من عشرين مرة.

3 -وروى حديث عائشة رضي الله عنها: «أن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ورهنه درعًا من حديد» . في أحد عشر موضعًا وعقد له أبوابًا وترجم لها [8] .

4 -وروى قصة موسى والخضر عليهما السَّلام في أكثر من عشرة مواضع.

5 -وأخرج حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في تخلفه من غزوة تبوك، في أكثر من عشرة مواضع، وفوائده أكثر من خمسين.

6 -وروى حديث أسماء رضي الله عنها في كسوف الشَّمس وخطبته صلَّى الله عليه وسلَّم في عشرة مواضع.

7 -وروى حديث: «أنَّ من الشَّجر شجرة لا يسقط ورقها» ... الحديث، واستخرج منه فوائد جديدة [9] .

فكأنَّه تأخذه النَّشوة والطرب عند رواية الحديث، فلا يمل من إعادته، وينشد بلسان الحال:

~أعِدْ ذِكْرَ نُعْمانَ لنَا إنَّ ذِكْرَه هُو الْمِسْكُ مَا كَرَّرْتَه يَتَضَوَّعُ

وكأنَّه يتمثل ببيت الشَّاعر:

~وحَدَّثْتَنا يا سَعْد عَنْهُم فَزِدْتَنا شُجُونًا فَزِدْنَا مِنْ حَدِيِثك يا سَعْدُ

ثم يشتعل ذكاؤه الَّذي ضرب فيه بسهم وافر، ويتوقد ذهنه، وتسيل قريحته، فيُفلِت زِمام التَّأليف ويرسل النَّفس على سَجِيَّتها، ويستخرج من حديث واحد نتائج وفوائد لا تدور بخَلَد كثير من الأذكياء، وما ذاك إلَّا لحدَّة ذهنه، وإفراط حبِّه، ولم يزل الحبُّ ملهِمًا للبدائع ملهِبًا للقرائح، والمحبُّ يقع على ما لا يقع عليه المتأمِّل المرهِقُ لجسمه، المتعب لعقله.

وسر آخر للغموض في تراجم الأبواب: أنَّ المؤلِّف الإمام غير خاضع لأساليب التَّأليفية، والقوانين الوضعية الَّتي جرى عليها المؤلِّفون في فنِّ الحديث في عصره، وبَعد عصره، بل هو واضع طريقة خاصة في التَّأليف، وإمام مذهب خاص، فهو لم يقتصر على ما يتبادر إليه الذِّهن من الأحكام الفقهية المستخرجة من الأحاديث، شأن أقرانه ومن سبقه من المؤلِّفين في علم الحديث والفقه، بل يستخرج من الأحاديث فوائد علمية وعملية، لا تدخل تحت باب من أبواب

ج 1 ص 5

الفقه المعروفة.

وقد أحسن الإشارة إلى ذلك أكبرُ شرَّاح كتابه وأعرفهم بمُرَادِه، العلَّامة الحافظ ابن حجر العسقلَّاني، في مقدِّمة كتابه الفريد «فتح الباري» قال: ثم رأى أن لا يُخْليه من الفوائد الفقهية، والنُّكت الحكمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرَّقَها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام، فانتزع منها الدَّلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السُّبل الوسيعة. قال الشَّيخ محيي الدِّين _نفع الله به_:

ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباطُ منها والاستدلالُ لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فيه فلان عن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو نحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقا، وإنَّما يفعل هذا لأنَّه أراد الاحتجاج للمسألة الَّتي ترجم لها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم، وربما تقدم قريبًا [10] .

ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديث واحد، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله، وفي بعضها لا شيء فيه البتَّة، وقد ادَّعى بعضهم أنَّه صنع ذلك عَمْدًا، وغَرَضُه أن يبين أنَّه لم يثبت عنده حديثٌ بشرطه في المعنى الَّذي ترجم عليه، ومِن ثَمَّة وقع في بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يُذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على النَّاظر فيه [11] .

وقد زاد على ذلك حكيم الإسلام، الشَّيخ ولي الله الدَّهلوي، فأحسن وأجاد، وأوضح التَّفاوت الواقع بين أفهام العلماء، ومقاصد المؤلِّف الإمام، وكأنَّه يقول بلسان الشَّاعر:

~نَزَلوا بمَكَّة في قِبائَيْ هَاشم ونزلت بالبيداء أبعدَ منزل

قال _رحمه الله_: وكثيرًا ما يستخرج الآداب المفهومة بالعقل بالكتاب والسنة والعادات الكائنة في زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم ومثل هذا لا يدرك حسنه إلَّا من مارس كتب الآداب، وأجال عقله في ميدان آداب قومه، ثم طلب لها أصلا من السنة [12] .

ومن أَكْثَر قراءة «الجامع الصَّحيح» درسًا وتدريسًا، وأنعَمَ النَّظر فيه، شَهِد بصدق شيخ الإسلام فيما قاله، وإصابتِه الصَّميم، ووجد شيئًا كثيرًا مما يتأدَّب به، ويَتَخَلق بأخلاق الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وعادات الصَّحابة منثورًا في ثنايا هذا الكتاب العظيم، حتى يستطيع أن يستخرج منه كتابًا آخر ويسميه «الأدب المفرد» أو بما شاء.

وقد يستهين المختص بالفقه والحديث بقيمة هذه الثَّروة العظيمة، وقد يلتوي عليه فهمها وحكمة وضعها في هذا الكتاب، الَّذي أفرد لجمع الأحاديث الصَّحيحة على شروط الإمام البخاري. ولكنَّ نظر المحب يختلف عن نظر غيره، وقد أراد الإمام البخاري أن يكون هذا الكتاب نبراسًا للسَّاري، وصورة لما كان عليه الصَّحابة والمسلمون

ج 1 ص 6

في عصر النُّبوة.

والسبب الثَّاني لتعقُّد بعض ما أورده في هذا الكتاب من الأبواب والتَّراجم والتوائها على فهمِ كثيرٍ من الشُّرَّاح والمدرسين حتى قال الكرماني: إنَّ هذا قسم عجز عنه الفحول البوازل من الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأمصار فتركوها بأعذار وهو عدم إطلاع أكثرهم على ما كان يسود في عصره من آراء وأقوال، يشتدُّ حولها الخِصَام، ويكثر فيه القيلُ والقالُ، وما ذهب إليه بعض معاصريه ومن تقدَّمه بقليل من مذاهب، فإنَّه يعقد بابًا ويأتي بترجمةٍ وما قصده من ذلك إلَّا نقض ما انتشر في النَّاس، وجرى عليه العامة أو نُقِل عن عالم وهو عنده مخالف للحديث وما ثبت من السُّنة، فهو يودي بذلك أو ينظر إليه من طَرْف خَفِي، ولا يَستملح ذلك ولا يَفهم سِرَّ إيراده له إلَّا من اتَّسع علمُه، وأحاط بأكثر ما كان يوجد في عصره من الأخلاق والعادات والأقوال والآراء، وكذلك اطلع على كتب معاصريه أو من سبقه بقليل كـ «مصنَّف عبد الرَّزاق» و «مصنَّف ابن أبي شيبة» وغيرهما.

وقد أشار إلى هذه النُّكتة الشَّيخ ولي الله الدَّهْلَوي، في بعض مباحثه في كتابه المتقدِّم ذكره، إذ قال: وأكثر ذلك تعقُّبات وتَبْكيتات على عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة في تراجم مصَنَّفَيهما، إذ شواهدُ الآثار تُروى عن الصَّحابة والتَّابعين في مُصَنَّفَيْهما، ومثل هذا لا ينتفع به إلَّا من مارس الكتابين واطَّلع على ما فيهما.

وسبب آخر لهذا الغموض والتَّعقد وعجز العلماء والشُّراح عن حله، ومعاناتهم في ذلك الشِّدة والمشقة حتى التجأ كثير منهم إلى تأويلات وتكلفات لا يسيغها الذَّوق السليم، حتى قال الباجي: وإنَّما أوردت هذا هاهنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين التَّرجمة والحديث الَّذي يليها، وتكلُّفهم في ذلك من تعسُّف التَّأويل ما لا يسوغ [13] . هو أنَّ الكتاب لم يزل في دور التَّنقيح والتَّهذيب والحذف والزِّيادة شأن الكتب الَّتي يعنى بها أصحابُها أشدَّ عناية، ويصبُّون فيها علمهم، ويعتبرونها عمدة بضاعتهم، ورأسَ مالِهم وزادَهم في الآخرة، وشأن العلماء الَّذين لا يزال عقلُهم في نبوغ وعلمُهم في نمو فلا يزال عقلهم مشغولا بهذا الكتاب ولا يزال قلمهم يتناوله بالتَّحسين والتَّحبير.

وحياة الإمام البخاري لم يكن فيها هدوء واستقرار، بل كان ينتقَّل من بلد إلى بلد، ومن محنة إلى محنة، ومن جفاء إلى جفاء، حتى لقي ربه.

ويدلُّ على ذلك ما نقله الامام أبو الوليد الباجي في مقدِّمة كتابه في أسماء رجال البخاري فقال: أخبرني الحافظ أبو ذر عبد الرَّحيم بن أحمد الهروي قال: حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الَّذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفِرَبري فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يُثْبت بعدها شيئا، وفيها أحاديث لم يُتَرجِم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض.

قال الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول أنَّ رواية أبي إسحاق المستملي ورواية أبي محمد السَّرخسي ورواية أبي الهيثم الكشميهني ورواية أبي زيد المروزي مختلفة بالتَّقديم والتَّأخير، مع أنَّهم انتسخوا من أصل واحد، وإنَّما ذلك بحسب ما قدَّر كل واحد منهم فيما كان طُرَّة أو رقعة مضافة أنَّه من موضع ما، فأضافه إليه. ويبين ذلك أنَّك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متَّصلة ليس بينها أحاديث.

وأيده العلامة الحافظ ابن حجر صاحب «فتح الباري» فقال: وهذه قاعدة حسنة، يفزع إليها حين يتعسر وجه الجمع بين التَّرجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدا.

وعلى كل فهذه بعض أسباب لتعقد الأبواب والتَّراجم في هذا الكتاب الَّذي اعتنت به الامة أشدَّ اعتناء بعد كتاب الله، وصلت إليها دراسة قاصرة لمن لم يكن صاحب اختصاص في فن الحديث، وقد يكون أكثر من ذلك، ولا آخر في العلم والتَّأمل والبحث وفوق كل ذي علم عليم.

ولم يزل الموضوع غضًّا طريًّا يطرقه كل باحث في علم الحديث، وكل دارس ومدرس لـ «الجامع الصَّحيح» وكان الموضوع في حاجة بعد ضياع كتب المتقدمين الأربعة، الَّتي تقدم ذكرها، إلى كتاب أشمل وأجمع وأوعى، فجاء هذا الكتاب _والحمد لله_ وافيا بالغرض، مُسعِفًا بالحاجة، لصدق قول الأولين كم ترك الأوَّل للآخر.

وكان المؤلف _بارك الله في حياته_ قد ذَكر في كتابه: «مقدمة كتاب لامع الدَّراري» كلُّ ما جاء من أصول الشَّيخ الإمام ولي الله الدَّهلوي، والقواعد الكليَّة للتَّطبيق بين الأبواب والتَّراجم، وأبواب لا ترجمة لها، وكذلك كلُّ ما جاء في رسالة الشَّيخ العلَّامة محمود حسن الدِّيوبندي، وكلّ ما وجد من فوائد في دروس الشَّيخ الكبير مولانا رشيد أحمد الكنكوهي، وكذلك كلُّ ما وجده من أصول وقواعد من كلام الحافظ ابن حجر والقسطلَّاني، والحافظ العيني، فاستوعبها وزاد عليها مما كان خاطره أبا عذرة ولم يُسبق إليه، حتى بلغ عددُ هذه الأصول الكليَّة إلى سبعين أصلا وقاعدة، فاحتوى على علم غزير لم نجده في كتاب واحد _والغيب عند الله_.

فاقترحت على المؤلِّف، كما اقترح كثير من تلاميذه، تجريد هذا الجزء وطبعه ككتاب مستقل، فقبل هذا الاقتراح مشكورا، محسنا إلى المشتغلين بتدريس هذا الكتاب العظيم بصفة خاصة والخادمين لعلم الحديث بصفة عامة، مستحقا ثناءهم وتقديرهم ودعواتهم الصَّالحة، وما عند الله أوفى وأبقى وأعظم وأجل.

وكان قد تناول كل كتاب من كتب «الجامع الصَّحيح» ، وتكلم على أبوابها وتراجمها بابًا بابًا، وترجمةً ترجمةً، فجاء الكتاب سِفرًا ضخما قد يقع في عدة أجزاء، وأصبح الكتاب موسوعة أو دائرة معارف _بالتَّعبير الحديث_ في كل ما يتصل بالأبواب والتَّراجم في «الجامع الصَّحيح» للبخاري، مغنيا عن غيره. وبذلك أغنى طلبة الحديث ومدرِّسيه عن تتبع هذا الموضوع في كل كتاب، والتقاط الدُّرر من كل بحر، ووفَّر عليهم وقتًا طويلًا وعناءً كبيرًا.

ولا يعرف قيمة هذا الكتاب وما فتح الله به على مؤلِّفه من الرَّأي السَّديد، والقول الصَّواب، وما أتى به فيه من لباب النُّقول، وصفوة الأقوال ومحصول العقول والألباب، إلَّا من مارس هذه الصِّناعة، واشتغل بتدريس الكتاب مدة طويلة، ولقي الجهد والعناء في حلِّ غوامضه، وفكِّ مشكلاته، وقد قال القائل:

~إنما يَعْرِف ذَا الفضلَ من النَّاس ذووه

وندعو الله أن ينفع بهذا الكتاب طلبة العلم، وأساتذة الحديث، كما نفع بمؤلَّفاته الأخرى، وأن يبارك في حياته، وينفع به المسلمين، ويعزَّ به العلم والدِّين.

وفي الأخير نعترف لزميلنا الأستاذ سعيد الأعظمي النَّدوي بالإخلاص، وبذل الجهد في طبع هذا الكتاب، والإشراف على تصحيحه، شأنه في مؤلَّفات الشَّيخ الأخرى، الَّتي سعد بنشرها وطبعها في مطبعة ندوة العلماء، وتقبل الله سعيه وجزاه خيرا.

أبو الحسن علي الحسني النَّدوي

المسجد الجامع رأي بريلي الهند

يوم الاربعاء 11 جمادى الآخرة 1391 هـ

ج 1 ص 7

ج 1 ص 8

[1] كشف الظنون ص 365.

[2] كشف الظنون 1/ 541.

[3] ما أطلق عليه «مصابيح الجامع» هو للبدر الدماميني وسيرد الحديث عنه، ولم أجد من أطلق هذا الاسم على كتاب السجلماسي المذكور ولعله سبق قلم والله أعلم.

[4] قال الشيخ عبد الحي الحسني في ترجمة الدماميني: وله شرح على البخاري سماه «مصابيح الجامع» أوله الحمد لله الذي في خدمة السنة النبوية أعظم سيادة، ذكر فيه أنه ألفه للسلطان أحمد شاه المذكور وعلق على أبواب منه ومواضع يحتوي على غريب وإعراب وتنبيه وقد دخل ابن الدماميني مدينة أحمد آباد سنة 820 هـ ولا بد أن يكون هذا الكتاب قد ألف بين سنة 820 هـ وسنة 838 هـ. نزهة الخواطر:3/ 268.

[5] فاته: «تراجم البخاري» لابن جماعة رحمه الله (ت: 733) .

و «مناسبات أبواب صحيح البخاري بعضها لبعض» للسراج البلقيني رحمه الله (ت:805) .

[6] هامش من الأصل: «طبعت باسم رسالة شرح تراجم صحيح البخاري دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد سنة 1323 هـ وهي تقع في 129 ص بالقطع المتوسط» ، ثم صدر بتحقيق عزت محمد فرغلي عن دار الكتاب المصري سنة 1999 م

[7] هامش من الأصل: «والكتاب يقع في 72 صفحة وهو في اللغة الأردية وفي آخره نحو أربع صفحات بالعربية وهو بمذكرات معلم أشبه منه بكتاب مستقل طبع في مطبعة الأمان في نكينه بنور» .

[8] هامش من الأصل: «عمدة القاري للعلامة العيني جلد 5 ص 415» ، أنظر عمدة القاري:11/ 182 وقد اختصر الشيخ المقدم رحمه الله تعالى كلام الحافظ العيني عن مواضع إخراج البخاري للحديث المذكور.

[9] هامش من الأصل: «نشكر لهذه الإحصائيات فضيلة الشيخ عبد الستار الأعظمي مدرس الحديث الشريف في دار العلوم ندوة العلماء.

[10] أنظر التلخيص شرح الجامع الصحيح للنووي: ص 230.

[11] مقدمة فتح الباري ص 8.

[12] شرح تراجم أبواب صحيح البخاري ص 5 طبع حيدر آباد سنة 1323 هـ.

[13] التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح لأبي الوليد الباجي:1/ 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت