ههنا عدة أبحاث: الأوَّل: في ذكر هذه التَّرجمة ههنا دون أبواب المساجد.
قال الحافظ: هذه التَّرجمة والتي بعدها من أحكام المساجد، وأمَّا التَّراجم التي قبلها فكلُّها من صفة الصَّلاة، لكنَّ مناسبة هذه التَّرجمة من جهة أنَّه بنى صفة الصَّلاة على الصَّلاة في الجماعة، ولهذا لم يفرد ما بعد كتاب الأذان بكتاب، لأنَّه ذكر فيه أحكام الإقامة، ثمَّ الإمامة، ثمَّ الصُّفوف، ثمَّ الجماعة، ثمَّ صفة الصَّلاة، فلمَّا كان ذلك كله مرتبطًا بعضه ببعض واقتضى فضل حضور الجماعة بطريق العموم ناسب أن يورد فيه من قام به عارض كأكل الثُّوم، ومن لا يجب عليه ذلك كالصِّبيان، ومن تندب له في حالة دون حالة كالنِّساء، فذكر هذه التَّراجم فختم بها صفة الصَّلاة [1] . انتهى.
والأوجه عندي أنَّ الإمام البخاري ذكر هذه الأبواب بمنزلة مسائل شتَّى في آخر أبواب الصَّلاة، ولمَّا كانت هذه الأبواب متضمِّنة لمسائل عديدة من الصَّلاة وغيرها أفردها بالذِّكر.
والبحث الثَّاني: أنَّ الإمام ذكر في هذا الباب مسألتين: أولاهما: بقوله: (ما جاء في الثُّوم النَّيئ ... إلى آخره) وأشار بذلك عندي إلى الاختلاف في جواز أكل هذه الأشياء، وهذه المسألة لم تكن من باب الصَّلاة، لكنَّه ذكرها تبعًا للمسألة الآتية لاستنباطهما من أحاديث الباب، ولذا جمعهما في باب وأفرده عمَّا سبق.
قال الكرماني: الثُّوم ونحوه من البقولات حلال بالإجماع، وحكى تحريمها عن أهل الظَّاهر؛ لأنها تمنع من حضور الجماعة، وهي عندهم فرض عين [2] ، إلى آخر ما بسط في (( هامش اللَّامع ) ).
والمسألة الثَّانية التي أشار إليها في التَّرجمة بقوله: (وقول النَّبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم ... إلى آخره) أيضًا خلافيَّة، وكان منشأ الخلاف اختلافهم في المراد بقوله: سجدنا، فذكره بعينه في التَّرجمة، وفي الكرماني عن
ج 2 ص 376
النَّووي مذهب بعض العلماء أنَّ النَّهي خاصٌّ بمسجده صلَّى الله عليه وسلَّم، والجمهور على أنَّه عامٌّ لكل مسجد. انتهى.
والبحث الثَّالث: أنَّ الإمام ذكر في التَّرجمة الكرَّاث أيضًا، وليس له ذكر في الحديث.
قال الحافظ: أشار به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر رضي الله عنه، فقد رواه مسلم من رواية يحيى القطان، عن ابن جرير بلفظ: «مَنْ أَكَلَ هَذِهِ الْبَقْلَةَ الثُّوم» ، وقال مرَّة: «مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ» ، وهذا أولى من قول بعضهم: إنَّه قاسه على البصل، ويحتمل أن يكون استنبط الكرَّاث من عموم الخَضِرات، فإنَّه يدخل فيها دخولًا أوَّليًّا؛ لأنَّ رائحته أشدُّ [3] .
البحث الرَّابع: أنَّه ذكر في التَّرجمة من الجوع أو غيره، قال الحافظ: لم أر التَّقييد بالجوع وغيره صريحًا، لكنَّه مأخوذ من كلام الصَّحابي في بعض طرق حديث جابر عند مسلم بلفظ: «فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ» الحديث. انتهى.
وعلى هذا فغرض التَّرجمة أنَّه إذا منع عنها في حالة الجوع والحاجة فغيرهما بالأولى، أو يقال: إنَّ الإمام البخاري أشار بذلك إلى أنَّ عموم روايات الباب يختصُّ بحاجة وغيرها، فيكون التَّرجمة من الأصل الخمسين، وعلى ما اختاره الشُّرَّاح تكون مركَّبًا من الأصل الحادي عشر والتَّاسع عشر، إلى آخر ما بسط في (( هامش اللَّامع ) ).
ج 2 ص 377
[1] فتح الباري:2/ 339
[2] الكواكب الدراري:5/ 200
[3] أنظر فتح الباري:2/ 339