كتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )يعني بذلك أنَّ الطِّيب غير مضطر إليه، وإن ثبت استعماله صلَّى الله عليه وسلَّم إيَّاه قبل الغسل، وذلك لينتشر أثره إلى أطراف الجسم، وحاصل التَّرجمة
ج 2 ص 225
أنَّ هذا الباب فيه جواز الابتداء بالحلاب من غير أن يَتَقَدَّمه طِيْب، وجواز الابتداء بالطِّيب وعدم الابتداء، فلمَّا ذكر في الرِّواية ابتداؤه بالحلاب، علم جواز ترك الطِّيب وأنَّ الابتداء بالطِّيب ليس واجبا، وإن كان جائزا، نظرا إلى ما ورد في غير هذه الرِّواية، فافهم فإنَّه عزيز. انتهى.
وفي (( هامشه ) )هذه التَّرجمة من مهمَّات التَّراجم أشكلت على المشايخ والشُّرَّاح والحق أنَّه لم يظهر بعد ما قصد الإمام البخاري من ذلك.
قال الحافظ: أشكل المناسبة قديما وحديثا، فمنهم من نسب البخاري إلى الوهم، فقال: رحم الله البخاري من ذا الذي يسلم من الغلط، سبق إلى قلبه أنَّ الحِلاب طيب، وأي معنى للطِّيب قبل الغسل، ومنهم من تأوَّل الحلاب على غير المعروف في الرِّواية فقال: هو الجلَّاب _ بالجيم وشدِّ اللَّام _ هو ماء الورد، وتُعُقِّب بأنَّه خلاف الرِّواية، ولأنَّه لا معنى للطِّيب قبل الغسل، ومنهم من تكلَّف في التَّأويل فقيل: لم يرد البخاري بالطِّيب ماله عَرْفٌ طَيِّب، وإنَّما أراد تطييب البدن بإزالة الوسخ، فمحصله إعداد ماء الغسل، ثمَّ الشُّروع في تنظيف البدن، وقيل: أشار البخاري إلى ردِّ ما رُوُيَ أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان يغسل رأسه بالخَطْمِي، ويكتفي بذلك، فكأنَّه ترجم بجزئين وأثبت أحدهما ولم يثبت الآخر، وهذا هو الأصل التَّاسع والثَّلاثون من أصول التَّراجم، وقيل: أراد بالحِلاب ظرف الطِّيب، وأو للتَّنويع، والمذكور في الحديث صفة التَّطيب بعد الاغتسال، لا صفة الاغتسال، وهو توجيه حسن لظاهر ألفاظ البخاري، لكن جميع طرق الحديث يأبى ذلك، وأنَّ في جميعها بيان صفة الاغتسال، وقيل أشار بالتَّرجمة إلى حديث عائشة رضي الله عنها الآتي بعد سبعة أبواب بلفظ «كنت أطيِّب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند الإحرام ... » الحديث، وفي بعض طرقه ثمَّ طاف على نسائه، ومن لازمه الاغتسال، فالتَّرجمة بالتَّردد بين الحالتين، أي بدأ بالحِلاب، يعني ماء الاغتسال وتارة بالطِّيب كما في بعض الأحوال وهذا أحسن الأجوبة عندي. انتهى ما في (( الفتح ) )مختصرا.
وكتب شيخ المشايخ في (( التَّراجم ) )إنَّ للحِلاب معنيين، أحدهما بمعنى الإناء، والثَّاني بمعنى المحلوب، أي المُخْرَج مِن عُصَارة، وكان العرب يستعملون محلوب بعض البذور في أبدانهم قبل الاغتسال، كما يستعملون الطِّيب قبل ذلك، وميل المصنِّف إلى هذا المعنى الثَّاني بقرينة الانضمام للطِّيب. انتهى.
وقال السِّندي: قوله في التَّرجمة عند الغسل أي عند الفراغ منه، وكذا في الحديث قوله إذا اغتسل أي فرغ، والمراد بالحِلاب عند المصنِّف نوع من الطِّيب، فالمقصود استعمال الطِّيب بعد الغسل، ولا يُحْمَل كلام المصنِّف إلَّا على هذا، وإن كان الصَّحيح أنَّ المراد منه الإناء، لكن حمل كلام المصنِّف على المعنى المعروف بعيد جدا. انتهى.
وفي (( الفيض ) )إنَّ في الحِلاب يبقى أثر اللَّبن، فبينه وبين الطِّيب تقابل تضاد، فنبَّه المصنِّف على أنَّه لا بأس بريح اللَّبن إن ظهر في الماء، وكذا الطِّيب عند الغسل قد يبقى أثره بعد الغسل فلا بأس به أيضا. انتهى.
قلت: يأتي هذا المعنى في (باب من تَطَيَّب ثمَّ اغتسل وبقي أثر الطِّيب) . انتهى ملخصًا من (( هامش اللَّامع ) ).
ج 2 ص 226