قال العلامة العيني: أي: إذا قال صاحب النخيل لغيره: اكفني مؤنة النخل، والمؤنة: هي العمل فيه من السقي والقيام عليه بما يتعلق به، وتشركني في الثمر أي: الثمر الذي يحصل من النخل، وهذه صورة المساقاة، وهي جائزة. وقوله (أو غيره) أي: غير النخل مثل الكرم.
ثم قال بعد ذكر الحديث: قال المهلب: فيه حجَّة على جواز
ج 3 ص 671
المساقاة، ورد عليه ابن التين بأنَّ المهاجرين كانوا ملكوا من الأنصار نصيبًا من الأرض والمال باشتراط النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار مواساة المهاجرين ليلة العقبة، قال: فليس ذلك من المساقاة في شيء، ورد عليه بأنَّه لا يلزم من اشتراط المواساة ثبوت الاشتراك في الأرض إذ لو ثبت ذلك بمجرد ذكر المواساة لم يبقَ لسؤالهم لذلك ورده صلى الله عليه وسلم عليهم معنى [1] . انتهى.
قلت: ويشكل في بادئ الرأي على هذه الترجمة أنَّ صورتها صورة المساقاة كما قال المهلب وغيره، والكتاب كتاب المزارعة، وسيأتي كتاب المساقاة مستقلًا، ولم يتعرض له أحد من الشراح.
ويمكن الجواب عنه بأن يقال: إنَّ نظر الإمام البخاري في هذه الترجمة ليس إلى خصوص النخل أو العنب، بل الغرض الأصلي منه بيان صورة العقد، وكيفيته بأنَّه هل يصح المزارعة بهذه الألفاظ؟ أي: اكفني المؤنة، وتشركني في الخارج؛ أعمُّ من أن تكون المؤنة مؤنة الأرض كما في المزارعة، أو مؤنة النخل وغيره من الأشجار كما تكون في المساقاة، لكن لما كان المذكور في حديث الباب لفظ النخل، فرعاية للفظ الحديث ذكر لفظ النخل، وله نظائر في التراجم.
قال صاحب (( البدائع ) )وأمَّا ركن المزارعة فهو الإيجاب والقَبُول، وهو أن يقول صاحب الأرض للعامل: دفعت إليك هذه الأرض مزارعة هكذا، ويقول العامل: قبلت أو رضيت، أو ما يدل على قَبُوله ورضاه، فإذا وجدا تم العقد بينهما. انتهى.
ثم لا يذهب عليك أنَّ الإمام البخاري ترجم بثلاثة أبواب بترتيب خاص، الأول: (اقتناء الكلب) والثاني (استعمال البقر) والثالث: هذه، وهذا الترتيب يشير عندي إلى أنَّه أشار بهذه الترجمة إلى استعمال الإنسان للحرث، فإنَّه بدأ بالكلب، ثم ثنى بالبقر، ثم ثلث بالإنسان.
ج 3 ص 672
[1] عمدة القاري: ج 12/ 161