قال الكرماني: قوله: وغيره، أي غير القرآن من السَّلام وسائر الأذكار. انتهى.
وقال الحافظ: وغيره، أي من مظان الحدث، وتعقَّبهما العيني بأنَّه لا وجه لمظان الحدث، لأنَّه إمَّا حدث فيدخل فيه، وإمَّا غير حدث فلا مدخل له في الباب، وأنَّه إذا جاز قراءة القرآن فغيره من الأذكار جائز بالطَّريق الأولى.
وتبعه القسطلَّاني واختار مختار العيني، وتعقَّب على قول الحافظ والكرماني.
ويمكن عندي توجيه كلام الحافظ: بأنَّ المراد من مظان الحدث النَّوم، للحديث الوارد في الباب ثمَّ جواز قراءة القرآن محدثًا مجمع عليه عند الأئمَّة الأربعة وجمهور العلماء، خلافًا لمن شذَّ من بعض السَّلف، كما في (( الأوجز ) )كذا في (( هامش اللَّامع ) ).
وكتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )قوله: (باب قراءة القرآن ... إلى آخره) يعني بذلك أنَّه ذكر ولا يجب تقديم الوضوء له، وإن كان الوضوء أفضل والحمام يدخله المتطهِّر ومن ليس على وضوء، فلمَّا قال منصور وإبراهيم بجواز القراءة فيه عُلِم أنَّه لا يشترط لها الطَّهارة، وكذلك كَتْب الرِّسالة لا تخلو عن ذكر الله وآية من القرآن كالبسملة، فلمَّا جاز كتابتها جاز التَّلفظ بها، وكذلك التَّسليم عليهم وهو ذكر يستدعي جواز الذِّكر على غير وضوء، لأنَّهم لمَّا سلَّم المسلِّم عليهم يردون عليه لا محالة، وهم على غير طهارة، فعلم جواز ذكر الله تعالى على غير وضوء، لأنَّ السَّلام ذكر، وكذلك الاستدلال بالرِّواية فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قرأ الآيات قبل أن يتوضأ، ونوم الأنبياء وإن لم يكن ناقضًا إلَّا أنَّ اللَّيلة لا تخلو عن شيء من الملاعبة المورثة خروج المذي والبول والتخلي إلى غير ذلك، وأيضًا فإنَّ ابن عبَّاس فعل مثله وكان على غير الطَّهارة، فأمكن الاحتجاج بفعله عنده صلَّى الله عليه وسلَّم. انتهى.
وفي (( تراجم شيخ المشايخ ) )استدلال المؤلِّف بحديث
ج 2 ص 198
الباب على جواز القراءة للمحدث باعتبار أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم استيقظ بعد نوم طويل ومضى عليه زمان طويل، فالغالب الأكثر في مثل هذا تخلل حدث من ريح أو غيره، وليس هذا استدلالًا بنقض النوم كما وهم. انتهى. وبسط الكلام في (( هامش اللَّامع ) )أشدَّ البسط في شرح كلام الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ وبيان اختلاف العلماء في ذلك الفروع.
ولا يذهب عليك أنَّ الحافظ حمل كلام البخاري على الحدث الأصغر، وتبعه القسطلَّاني، وتعقَّبه العلَّامة العيني، إذ قال قوله بعد الحدث، قال بعضهم: أي الحدث الأصغر.
قلت: الحدث أعمُّ من الأصغر والأكبر وقراءة القرآن تجوز بعد الأصغر دون الأكبر، وكان هذا القائل إنَّما خصَّص الحدث بالأصغر نظرًا إلى أنَّ البخاري تعرَّض ههنا إلى حكم قراءة القرآن بعد الحدث الأصغر دون الأكبر، ولكن جرت عادته أن يبوب الباب بترجمة، ثمَّ يذكر فيه جزءًا مما يشتمل عليه تلك التَّرجمة، وههنا كذلك. انتهى.
وقال صاحب (( الفيض ) ): لم يفصح المصنِّف بأنَّ المراد منه الأصغر أو الأكبر، وعلم من الخارج أنَّهما جائزة عنده بعد الحدث الأكبر. انتهى.
وجواز قراءة القرآن للمحدث إجماعي كما تقدَّم.
وفي (( هامشي على البذل ) )عن العلَّامة الشَّعراني: أنَّ قراءة القرآن للجنب حرَّمها الشَّافعيِّ وأحمد مطلقًا، وأبو حنيفة آية تامَّة وأباح ما دونها، وأباح الإمام مالك آية أو آيتين، وأباح داود الظَّاهري القراءة مطلقًا.
وبسط الكلام في (( هامش اللَّامع ) )على اختلاف العلماء في قراءة الجنب والحائض في (باب تقضي الحائض المناسك كلها) من كتاب الحيض، وفيه مذهب داود ومن وافقهم جواز القراءة للجنب والحائض مطلقًا، قال الموفق: لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض، وروى الكراهة عن الشَّافعيِّ وأصحاب الرَّأي، وحكى عن مالك القراءة للحائض دون الجنب، لأنَّ أيَّامها تطول، فإن منعناها نسيت، إلى آخر ما بسطه.
وفي (( المنهل ) )وقال مالك في الجنب يقرأ الآية ونحوها، وقد حكى عنه أنَّه قال: تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب. انتهى.
واختلفوا في جواز قراءة القرآن في الحمَّام، ففي (( هامش اللَّامع ) )عن أبي حنيفة يكره، وعن محمَّد بن الحسن لا يكره، وبه قال مالك، وإنَّما كره أبو حنيفة لأنَّ حكم الحمَّام حكم بيت الخلاء، لأنَّه موضع النَّجاسة، وعند الشَّافعيَّة روايتان، وعند أحمد خلاف الأولى، فاستحبَّ صيانة القرآن عن الحمَّام. انتهى.
ج 2 ص 199