تقدَّم في أوَّل كتاب العِلم أنَّ الإمام ترجم بهذه التَّرجمة في موضعين أولاهما في أوَّل الكتاب، والثَّانية ههنا، وتقدَّم أيضًا أنَّ الرَّاجح عند العلَّامة العيني حذف هذه التَّرجمة من أوَّل الكتاب فلا تكرار عنده، والمراد بها ههنا فضيلة العِلم.
قال العيني: ولئن سلَّمنا وجوده فالمراد هناك التَّنبيه على فضيلة العلماء، وههنا التَّنبيه على فضيلة العِلم. انتهى.
وتقدَّم هناك أيضًا أنَّ الكرماني حمل هذا الفضل الذي في الباب الثَّاني بمعنى الفضلة، وتعقب عليه العيني. والأوجه عندي ما قاله الكرماني، وبه جزم غير واحد من شرَّاح الحديث والمشايخ.
قال الحافظ: الفضل ههنا بمعنى الزِّيادة، أي: ما فضِّل عنه، والذي تقدَّم في أوَّل كتاب العِلم بمعنى الفضيلة، فلا تكرار. انتهى.
وعليه حمل السِّندي كما في
ج 2 ص 158
(( هامش اللَّامع ) )ثمَّ قال: فإن قلت: هل لفضل العِلم تحقق في هذا العالم حتَّى يستقيم ما ذكرت؟ وإلَّا فَتَحَقُّقه في عالم المثال والرُّؤيا لا يفيد، قلت: يمكن تحقُّقه في الكتب، فإن زادت الكتب عند رجل على قدر حاجته يؤثر به بعض أصحابه، وكذا في الانتفاع بالشَّيخ، فإذا بلغ الرَّجل مبلغ الشَّيخ أو قضى حاجته منه يتركه، حتَّى ينتفع به غيره، ولا يشغله عن انتفاع الغير به مثلًا. انتهى.
وعليه حمله شيخ الهند في (( تراجمه ) )إذ قال ما تعريبه: قد سبقت هذه التَّرجمة بعينها في بداية كتاب العِلم، ولذا قال الشُّرَّاح: إنَّ الفضل له معنيان: الأوَّل: الفضيلة، والثَّاني: الفاضل عن الحاجة، والمراد في الباب الأوَّل، وفي الثَّاني المعنى الثَّاني، وقد زال بذلك توهُّم التِّكرار، ولكن اختلف كلام العلماء في التَّطبيق بين مقصود التَّرجمة والحديث.
والرَّاجح عندنا أنَّ غرض المؤلِّف من التَّرجمة هو بيان حكم العِلم الزَّائد عن الحاجة، فمثلًا المفلس المعذور الضَّعيف الذي لا يستطيع على الزَّكاة والحجِّ والجهاد من العبادات، وعلى المزارعة والمساقات والرَّهن ونحوه من المعاملات، فلا يظنُّ أنَّه يمكنه في المستقبل الوقوع فيها، فمثل هذا الشَّخص ما حكم تعلُّمه بهذه العلوم؟ وهل صرف الأوقات في تعلم ذلك والسَّفر لأجله داخل في العبادة أم فيما لا يعني؟ فظهر من الرِّواية أنَّه داخل في النَّوع الأوَّل، غاية ما في الباب أنَّه لا يعمل عليها بنفسه بل يعطيها لغيره بالتَّعليم والتَّبليغ، كما أعطى النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم العلم الزَّائد عن حاجته لعمر رضي الله عنه. انتهى.
قلت: ويؤيِّد ذلك ما في ابن ماجة من حديث أبي ذرِّ مرفوعًا: «لأنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُصَلِّي أَلْفَ رَكْعَةٍ» [1] ، ويحتمل عندي أيضًا أن يكون الغرض من التَّرجمة التَّرغيب في زيادة العلم لا اكتفاءً على قدر الحاجة، فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يشرب اللَّبن بقدر الحاجة، بل شرب حتَّى خرج من أظفاره، فكأنَّ المصنِّف أيَّد بالتَّرجمة حديث المشكاة برواية البيهقي عن أنس مرفوعًا «مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لاَ يَشْبَعُ مِنْهُ» [2] الحديث، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكِّي: أراد بهذا الباب الفضل الجزئي، وما مرَّ كأنَّ المراد به الفضل الكلِّي، فلا تكرار. انتهى ما في (( هامش اللَّامع ) ).
ج 2 ص 159
[1] أخرجه ابن ماجة في الإيمان، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه، (رقم: 219) .
[2] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان في الزهد وقصر الأمل، رقم (9798) .