ما قال: وأكثرها تعقبات على مصنف عبد الرَّزاق وابن أبي شيبة في تراجم مُصَنَّفيهما، ومثَّله لا ينتفع به إلَّا من مارس الكتابين واطَّلع على ما فيهما. انتهى.
قلت: وهو كذلك، ويظهر ذلك بمطالعة «فتح الباري» والعيني، فإنهما يُصَرِّحان بذلك في كثير من التَّراجم، أن غرضه الرَّد على قول فلان: أخرجه فلان.
وذكره شيخ الهند أيضًا لكنَّه لم يذكره أصلًا مستقلًا، بل أدمجه في الأصل الثَّاني عشر المذكور فيما سبق، وذكره شيخ الهند في الأصل الحادي عشر من أصوله، وأضاف فيه احتمالات أخر أيضًا.
وقال الحافظ في باب السُّتْرة بمكة بعد ذكر توجيه ابن المنير: والَّذي أظنُّ أنَّه أراد أن ينكِّت على ما ترجم به عبد الرَّزاق حيث قال: باب لا يَقْطَع الصَّلاة بمكة شيء إلى آخر ما بسط الحافظ.
وقال أيضًا في باب الصَّلاة على الحصير النُّكتة في ترجمة الباب الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق شريح بن هانئ «أنَّه سأل عائشة رضي الله عنها كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي على الحصير؟ والله يقول {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء:8] فقالت: لم يكن يُصَلِّي على الحَصِير» . فكأنَّه لم يثبت عند المصنِّف أو رآه شاذًا مردودًا لمعارضة ما هو أقوى منه إلى آخر ما قال.
وقال العيني في باب الاستنجاء بالماء: قصد بهذه التَّرجمة الرَّد على من كره الاستنجاء بالماء، وعلى من نفى وقوعه من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لما رواه ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحه إلى آخر ما ذكر.
وقال الحافظ في باب أذان الأعمى: روى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزُّبير وغيرهما: «أنَّهم كرهوا أن يكون المؤذِّن أعمى» .
وقال الحافظ في باب من قال لِيُؤذِّن في السَّفَر مُؤذِّنٌ واحد: كأنَّه يشير إلى ما رواه عبد الرَّزاق بإسناد صحيح «أن ابن عمر رضي الله عنه كان يؤذِّن للصُّبح في السَّفر أذانين» .
وقال في باب الأذان للمُسَافرين .. إلى آخره وقد روى عبد الرَّزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّه كان يقول «إنَّما التَّأذين لجيشٍ أو رَكْبٍ عليهم أمير، فَيُنادَى بالصَّلاة
ج 1 ص 26
ليَجْتَمعوا لها، وأما غيرهم فإنَّما هي الإقامة» وحُكي نحو ذلك عن مالك. انتهى.
وهذا الأصل لا يختص بالكتابين المذكورين، بل الإمام البخاري كثيرًا ما يُترجم في صحيحه على رد الرِّوايات الَّتي لا تصح عنده، سواء كانت في الكتابين المذكورين أو غيرهما من كتب السُّنن وغيرها، وخصَّ الشَّيخ _قدس سره_ الكتابين المذكورين لكثرة التَّعقبات عليهما، ولا يمتري في ذلك من مارس التَّراجم وأمعن النَّظر في الكتابين المذكورين.
قال الحافظ في باب الدَّفْن باللَّيل: أشار بهذه التَّرجمة إلى الرَّد على من منع ذلك مُحْتَجَّا بحديث جابر: «أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم زَجَر أن يُقْبَر الرَّجُل ليلًا إلَّا أن يُضْطَّر إلى ذلك» . أخرجه ابن حبان إلى أخر ما قال.
قلت: ويدخل في ذلك الأصل باب مَوت الفُجَاءة على ما قاله ابن رشيد كما حكاه عنه في «الفتح» .
ج 1 ص 27