المعروف على الألسن أنَّ هذه الأبواب كلها ردٌّ على الحنفية القائلين ببساطة الإيمان، بخلاف المحدِّثين والجمهور القائلين بتركيبه، وهذا ليس بصحيح، فإنَّه لا خلاف بين أهل السُّنَّة في هذه المسألة أصلًا، وكذا قال مولانا الشَّاه ولي الله الدَّهلوي في (( تراجمه ) ): (( اضْطِراب كَلام الشُّرَّاح في بَيَان غَرَضِ القُدَمَاء مِن المُحَدِّثين في مَسألَة الإيمَان، وذَلكَ أنَّهم حَكَموا بأنَّ مَن صَدَّق بقَلبه وأقَرَّ بلسَانه ولَم يَعْمَل عَمَلًا قطُّ فهو مُؤمن، وحَكَموا بأنَّ الأعْمَال من الإيمان، فَأَشْكَل عليهم أنَّ الكُلَّ لا يُوجَد بدون الجُزْء ) ) [1] .
وأفاد مولانا شيخ الهند _ قُدِّس سرُّه _ في (( تراجمه ) )أنَّ في المسألة ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنَّ الأعْمَال أجْزَاءٌ حقيقة [2] [حقيقية] للإيمان، وإذا فات الجُزْءُ فات الكُل، هذا مذهب الخوارج والمعتزلة.
وثانيها: أنَّ لا علاقة بينَ الإيْمَانِ والأَعْمَال، والإيمَانُ قولٌ فَقَط بلا عَمَل، وهَذا مَذْهَبُ المُرْجِئَة.
والثَّالث: مذهَبُ أهْلِ السُّنَّة والجَمَاعة أنَّ الأعمَال خَارجَةٌ عن حَقيقة الإيمان؛ داخِلةٌ في كَمَاله، كأَجْزاء الإنسان من الجَوارِح، وما حَكَموا من الخلاف بين أهل السُّنَّة مبنيٌّ على الخلاف اللَّفظي. انتهى.
وفي (( الحاشية الهندية ) )نقل عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: الإيمان هو التَّصديق والإقرار والعمل، فالْمُخِلُّ بالأوَّل وحده منافق، وبالثَّاني وحده كافر، وبالثَّالث وحده فاسق ينجو من الخلود في النَّار ويدخل الجنَّة، قال الإمام هذا في غاية الصُّعوبة؛ لأنَّ العمل إذا كان ركنًا لا يتحقَّق الإيمان بدونه، فغير المؤمن كيف يخرج من النَّار؟ أجيب عن هذا: بأنَّ الإيمان قد جاء بمعنى أصل الإيمان، كما في قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ» [3] الحديث، وقد جاء بمعنى الإيمان الكامل، وهو المقرون بالعمل، كما في حديث وفد عبد القيس، والإيمان بهذا المعنى الثَّاني هو المراد بالإيمان المنفي في قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «لَاْ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» [4] الحديث، فالخلاف لفظي راجع إلى تفسير الإيمان، ولا خلاف في المعنى، فإنَّ الإيمان المنجِّي من دخول النَّار هو الثَّاني باتفاق جميع المسلمين، والإيمان المنجِّي من الخلود في النَّار هو الأوَّل باتفاق أهل السُّنَّة خلافًا للمعتزلة والخوارج، ويدلُّ على ذلك حديث أبي ذر: رضي الله عنه: «مَاْ مَنْ عَبْدٍ قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، ثمَّ ماتَ عَلى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ صلَّى الله عليه وسلَّم: وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ» [5] ، الحديث، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَخْرُجُ في النَّار مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإِيمَانِ» [6] ، فبهذا يندفع الإشكال ويجتمع الأقوال. انتهى. ملتقطًا من العيني [7] .
فغرض االمصنِّف بهذه الأبواب الرَّدُّ على هذين الفريقين، أي: المُرْجِئة والخوارج، وأفاد في (( اللَّامع ) )و (( تراجم شيخ الهند ) )أنَّ االمصنِّف بسط في الرَّد على المُرْجِئة في هذه الأبواب أشدَّ البسط، وإن أشار في بعضها إلى ردِّ الخوارج أيضًا لما أن عقائد المرجئة تسدُّ أبواب الأعمال بالكلية.
وزاد الشَّيخ الكنكوهي في (( اللَّامع ) )بأنَّ غرض االمصنِّف بهذه الأبواب الرَّدُّ على المرجئة القائلينَ بأنَّه لا يضرُّ الإسلامَ معصيةٌ، والمعتزلة المُثْبِتين منزلةً بين المؤمن والكافر.
وصرَّح في
ج 2 ص 99
شرح البخاري للنَّووي أنَّ غرض االمصنِّف من هذه الأبواب كلها الرَّدُّ على المرجئة، فإنَّ مذهب جميع أهل السُّنَّة من سلف الأمَّة وخَلَفِها أنَّ الإيمان قول وعمل إلى أن قال: فالحاصل أنَّ الذي عليه أهل السُّنَّة أو جمهورهم أنَّ من صدَّق بقَلْبه ونطق بلسانه بالتَّوحيد لكن قصَّر في الأعمال كترك الصَّلاة وشرب الخمر لا يكون كافرًا خارجًا من الملَّة بل هو فاسق [8] . انتهى.
(وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ) : أراد بالفعل ما يعم فعل القلب والجوارح، ويمكن إرادة فعل الجوارح فقط، وعلى هذا فترَكَ التَّصديق في الذِّكر لاتفاق العلماء على اعتباره في الإيمان، كذا في (( اللَّامع ) )، وبسط الكلام على ذلك في (( هامش اللَّامع ) )، وفيه وفي رواية الكشميهني قول وعمل وهو اللَّفظ الوارد عن السَّلف.
وذكر في (( فيض الباري ) ) [9] بهذا الكلام شروحًا أربعة:
الأوَّل: ما فهمه عامَّة أرباب التَّصانيف أنَّ الإيمان مركَّبٌ من القول والعمل فالمخل بهما كافر، والمخل بالتَّصديق فقط منافق، والمخل بالعمل فاسق.
والثَّاني: أنَّ الإيمان تصديق يظهره اللِّسان والجوارح، وحاصله أنَّه التَّصديق المساعد بالقول والعمل، وحينئذٍ لا يكون الإيمان إلَّا التَّصديق فقط، ويبقى القول والعمل ساعدًا ومساعدًا بالإيمان لا جزءًا له، فالتَّصديق الذي يخلو عن الإقرار والعمل كإنَّه ليس بتصديق.
والثَّالث: أنَّ التَّصديق منسحب على القلب والجوارح، فتصديق القلب هو التَّصديق الباطني المسمَّى بالإيمان، وتصديق الجوارح يسمَّى عملًا وأخلاقًا، فالشيء واحد من هناك إلى ههنا، ويختلف الأسامي باختلاف المواطن، فالإيمان على اللِّسان قول وعلى الجوارح عمل.
والرَّابع: أنَّ الإيمان اسمٌ للتَّصديق الذي يعقبه القول والعمل، فينبغي أوَّلًا أن يصدق ثمَّ يقرُّ ثمَّ يعمل، فكان القول والعمل من مقتضيات الإيمان. انتهى ملخصًا.
(وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ) : قال الشَّيخ العارف المحدث الكنكوهي في (( اللَّامع ) ): (( وزيادة الإيمان في الرِّوايات والآيات عندنا محمولة على زيادة المؤمن به، أو على زيادة مراتب الإيقان وكيفيات التَّصديق لا نفسه، لإنَّه شيءٌ بسيط ) )، وبسط الكلام على ذلك في (( هامش اللَّامع ) )وما أفاده الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ من قوله مراتب الإيقان وكيفيات التَّصديق هو بعينه ما اختاره السَّلف من الزِّيادة والنُّقصان.
وأجاد الإمام الرَّباني المجدد للألف الثَّاني كلامًا أنيقًا في مكتوباته الشَّريفة نورده بنصِّه تبركًا بلفظه، قال: در زيادتي ونقصان إيمان علماء را اختلاف است إمام أعظم كوفي رضي الله عنه مي فرمايد الإيمان لا يزيد ولا ينقص وإمام شافعي _ رحمه الله _ سبحانه مي فرمايد كه يزيد وينقص وشك نيست كه إيمان عبارة أز تصديق ويقين قلبي است كه زيادتي ونقصان را ورانجا كنجائش نيست وآنجه قبول زيادتي ونقصان كند داخل دائرة ظن است نه يقين غاية ما في الباب إتيان أعمال صالحة انجلاء آن يقين مي فرمايد وأعمال غير صالحه آن يقين را نكدرمي سازوبس زيادتي ونقصان باعتبار أعمال در انجلاء آن يقين ثابت شدنه در نفس آن يقين جمعي يقين را منجلي وروشن يافتند زيادة كفتند أزان يقيني كه آن انجلاء وروشني ندار وكونيا بعضي غير منجلي يقين را يقين نه داشتند إيمان بعض منجلى را يقين دانسته ناقص كفتند وجمعي ويكر كه حدت نظر واشتند ديد ندكه اين زيادتي ونقصان راجع بصفات يقين است نه بنفس يقين لا جرم يقين را غير زائد وناقص كفتند مثل آنكه ووآئينه برابر كه در انجلاء ونور انيت تفاوت دارند شخصي بيند آئينه راكه انجلاء زيادة دارد ونما يندكي در و بيشتر است كويد كه اين آئينة زيادة است أز آئينه ديكر كه آن انجلاء ونما يندكي ندارو وشخصي ديكر كويد
ج 2 ص 100
كه دو آئينه است بس نظر شخص ثاني صائب است وبحقيقت شي نافذ ونظر شخص أول مقصور باظاهر است واز صفت بذات نرفته و {يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11] ازين تحقيق كه اين فقير بإظهار آن موفق شده اعتراضات مخالفان كه بر عدم زيادتي ونقصان إيمان نموده اند زائل كشت وإيمان عامة مؤمنان در جميع وجوه مثل إيمان أنبياء عليهم الصلوات والتسليمات نشد زيرا كه إيمان أنبياء عليهم الصلوات والتسليمات كه تمام منجلى ونوراني است ثمرات ونتائج بأضعاف زيادة دار واز إيمان عامة مؤمنان كه ظلمات وكدورات دارو على تفاوت درجاتهم ويحججين إيمان أبي بكر رضي الله تعالى عنه كه در وزن زيادة أز إيمان امت است باعتبار انجلاء دنو رانيت بايد دانست وزيادتي را راجع بصفات كامله بايد ساخت نمى بيني كه أنبياء عليهم الصلوات والتسليمات باعامه در نفس انسانيت برابراند ودر حقيقت وذات همه متحد تفاضل باعتبار صفات كامله آمده است وآنكه صفات كاملة ندار دكوئيا أزان نوع خارج است واز خواص وفضائل آن نوع محروم باوجود اين تفاوت در نفس انسانيت زيادتي ونقصان راه نمى يابد ونمى توان كفت كه انسانيت قابل زيادتي ونقصان است، والله سبحانه وتعالى المهم [10]
وَقَالَ تَعَالَى في سورة الفتح: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح:4]
وَقَالَ تَعَالَى في سورة الكهف: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف:13]
وَقَالَ تَعَالَى في سورة مريم: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم:76]
وَقَالَ تَعَالَى في سورة محمد: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد:17]
وَقَالَ تَعَالَى في سورة المدثر: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر:31]
وَقَالَ تَعَالَى في سورة البراءة: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} [التوبة:124]
وَقَالَ تَعَالَى في سورة آل عمران: {فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران:173]
وَقَالَ تَعَالَى في سورة الأحزاب: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22]
(وَالحُبُّ فِي اللهِ ... ) : لفظ حديث رواه أبو داود [11] من حديث أبي أمامة، واستدلَّ به الإمام على الزِّيادة والنُّقصان؛ لأنَّ الحبَّ والبغض يتفاوتان، كذا في القسطلَّاني.
(وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) : شرع في الآثار بعد ذكر الآيات والحديث (إلى عَدِي بن عَدِي) الكندي، وهو تابعي من أولاد الصَّحابة كان عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة، ولذا كتب إليه، كذا في (( هامش اللَّامع ) ).
(إِنَّ لِلإيمَانِ فَرَائِضَ) : أي أعمالًا مفروضة.
(وَشَرَائِعَ) : أي عقائد دينية.
(وَحُدُودًا) : أي منهيات ممنوعة.
(وَسُنَنًا) : أي مندوبات، كذا في الفتح والقسطلَّاني، وقال الشَّيخ المحدِّث الكنكوهي في (( اللَّامع ) )وظاهر أنَّ الفرائض
ج 2 ص 101
والشَّرائع ليست لنفس الإيمان؛ إذ هو اسم للتَّصديق عند الكل، فلا معنى لكونه ذا فرائض إلَّا إذا أدخل فيه العمل أيضًا، ونقل عنه أنَّ الإيمان فرائض، وعلى هذا فدخول الأعمال فيه أظهر، ثمَّ لا يمكن أن يكون عمر رضي الله عنه هذا يُكَفِّر من أَخَلَّ بشيء من الأعمال كما هو اللَّازم من جعل الأعمال داخلة في الإيمان، لما فيه من مخالفة بنية للنُّصوص القطعية، فلم يكن مراده إلَّا دخولها في الإيمان الكامل، وهو عين مرادنا.
(فَقَد اسْتَكْمَلَ الإيمَانَ) : استدل به الإمام البخاري على الزِّيادة والنُّقص، لا يقال: إنَّه لا يدلُّ على ذلك، بل يدلُّ على خلافه؛ إذ قال للإيمان كذا وكذا فجعلها غير الإيمان؛ لأنَّا نقول: إنَّ آخر كلامه فقد استكمل يشعر إليه، كذا في القسطلَّاني.
قلت: بل هو أصرح دليل لمن قال: إنَّ هذه الأمور لاستكمال الإيمان، وبسط الكلام على ذلك في (( هامش اللَّامع ) )، وفي آخره قال الحافظ: فالمراد أنَّها من المكملات؛ لأنَّ الشَّارع أطلق على مكملات الإيمان إيمانًا.
(فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ) : أي مفصلة، قال القسطلَّاني، وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ إذ الحاجة لم تتحقق، أو أنَّه علم أنَّهم يعلمون مقاصدها، ولكنَّه استظهر وبالغ في نصحهم وتنبيههم على المقصود، وعرَّفهم أقسام الإيمان مجملًا، وأنَّه سيذكرها مفصلًا إذا تفرَّغ لها، فقد كان مشغولًا بالأهم.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ على نبيِّنا وعليه السَّلام) كما في سورة البقرة
: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] ، أي: يزداد بصيرة، لا يقال: إنَّ الشَّك ينافي الإيمان، لأنَّ المراد ههنا ليس نفي اليقين، بل التَّمني لعين اليقين، فإنَّ المحقق بالمشاهدة آكد من المحقق بالعلم، أو يقال: إنَّ السُّؤال لم يكن عن مجرد الإحياء، بل عن كيفيته، كما يدل عليه لفظ كيف، وهذا هو الذي مال إليه صاحب (( روح المعاني ) ) [12] ، وذكر النَّووي له أجوبة، قال: أظهرها أنَّه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدة، بعد العلم بها استدلالًا، فإن علم الاستدلال قد يتطرق إليه الشُّكوك في الجملة، بخلاف علم المعاينة فإنَّه ضروري، وهذا مذهب الأزهري وغيره، والثَّاني سأل زيادة يقين وإن لم يكن الأوَّل شكًّا، فسأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فإنَّ بين العِلمين تفاوتًا، قال سهل بن عبد الله التَّستري: سأل كشف غطاء العيان، ليزداد بنور اليقين [13] ، وذكر وجهين آخرين.
وقال ابن الهمام في (( المسايرة ) ): قيل في تأويله طلب السَّيد إبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم حصول القطع بالإحياء بطريق آخر وهو البديهي الذي بداهته سبب وقوع الإحساس به، وهذا تأويل حسن. وحاصله أنَّه لمَّا قطع بالقدرة على الإحياء اشتاق إلى مشاهدة كيفية هذا الأمر العجيب الذي جزم بثبوته، كمن قطع بوجود دمشق وما فيها من أَجِنَّة [14] يانعة وأنهار جارية، فنازعته نفسه في رؤيتها والابتهاج بمشاهدتها، فإنَّها لا تسكن وتطمئن حتَّى يحصل مناها، وكذا شأنها في كل مطلوب مع العلم بوجوده، فليس تلك المنازعة والتَّطلب ليحصل القطع بوجود دمشق، إذا الفرض ثبوته. قال الكمال ابن أبي شريف: وهذا التَّأويل يشير إلى أنَّ المطلوب بقول السَّيد إبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] ، هو سكون قلبه عن المنازعة إلى رؤية الكيفية المطلوب رؤيتها، وهو الذي اقتصر عليه ابن عبد السَّلام في جواب السُّؤال، أو المطلوب سكونه بحصول متمناه من المشاهدة المحصِّلة للعلم البديهي بعد العلم النَّظري. انتهى.
ولا يقال كان المناسب
ج 2 ص 102
لالمصنِّف أن يذكرها في سياق الآيات؛ لأن هاتيك دلالتها على الزِّيادة صريحة بخلاف هذه، كذا في القسطلَّاني، وكتب الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ في (( اللَّامع ) )وإيرادها في غير الآيات؛ لأنَّها من كلام إبراهيم عليه السَّلام، لا من أمره تعالى، وإن كان مذكورًا في القرآن على سبيل الحكاية.
(وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) : كتب الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ في (( اللَّامع ) )كذلك في قول معاذ، أي: نزد الإيمان ساعة بالمذاكرة، وكذلك قول ابن مسعود، فإنَّ كلها دليل على ما قصده المؤلِّف، ولا يضرنا شيئًا، فإنَّ الزِّيادة في الكيفيات مُسَلَّمة.
(اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً) : أي نزداد إيمانًا، قال النَّووي: أي نتذاكر الخير وأحكام الآخرة، فإنَّ ذلك إيمان [15] . وقال ابن العربي: لا تعلق له للزِّيادة لأنَّ معاذًا إنَّما أراد تجديد الإيمان، لأنَّ العبد في أوَّل الأمر يكون مؤمنًا ثمَّ يجدد دائما، وتعقبه الحافظ بأنَّ ما نفاه أولا أثبته آخرًا لأنَّ تجديد الإيمان إيمان، كذا في القسطلَّاني.
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) : طرف من أثر رواه الطَّبراني وتتمته «والصَّبْر نِصْفُ الإيمَان» [16] ، ولفظ: نصف صريح في التَّجزئة، كذا في القسطلَّاني.
قلت: ولا يبعد أن يقال: أنَّ المصنِّف أشار إلى كل الأثر بذكر بعضه. قال الحافظ: جرى المصنِّف على عادته في الاقتصار على ما يدل بالإشارة، وحذف ما يدل بالصَّراحة إذ لفظ: النِّصف صريح في التَّجزئة. وفي الإيمان لأحمد من طريق عبد الله ابن حكيم عن ابن مسعود أنَّه كان يقول: «اللهُمَّ زِدْنِي إِيمَانًا وَفِقْهًا» [17] ، وإسناده صحيح، وهذا أصرح في المقصود، ولم يذكره المصنِّف لما أشرت إليه. انتهى.
(الْيَقِينُ الإيمَانُ كُله) : أكده بكل لدلالتها على التَّبعيض، كذا في القسطلَّاني، قال الشَّيخ العارف المحدِّث الكنكوهي في (( اللَّامع ) )إنَّ اليقين كلُّ الإيمان، ففيه استدلال أنَّ توكيد الإيمان بلفظ الكل، ولا يؤكد بالكل إلَّا ذو أجزاء وأبعاض، فلزم دخول الأعمال في الإيمان؛ إذ ليس في نفس الإيمان أجزاء، وحمل الإيمان على اليقين أو عكسه، ومراتب اليقين متفاوته فلزم كون الإيمان كذلك. انتهى.
(قَالَ ابْنُ عُمَرَ) : هو عبد الله، وهو المعروف بهذه الكنية في جملة أبناء عمر رضي الله تعالى عنه، معروف بشدَّة اتِّباعه لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى في الآداب.
(لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى) : وفي الأثر إشارة إلى أنَّ بعض المؤمنين بلغ كنه الإيمان وبعضهم لم يبلغ، فثبت الزِّيادة والنُّقصان، كذا في القسطلَّاني.
قال الشَّيخ في (( اللَّامع ) )حقيقة التَّقوى، فلزم أن يكون للتَّقوى وهو الإيمان مراتب بعضها أولى بتسميتها تقوى من بعض، أي: وقد علم أنَّ أدنى درجات التَّقوى الاتقاء عن الشِّرك، وهو الإيمان نفسه، فكان أعلى درجاته أعلى درجاته. انتهى.
وفي (( هامشه ) )في بعض الرِّوايات بدل التَّقوى لفظ الإيمان.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّيْنِ ... إلى آخره) : أشار إلى آية في سورة شورى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... } الآية [الشورى:13] ، قال صاحب الجمل لَكُم خطاب لأمَّة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، وقوله: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ، فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة، لكمال
ج 2 ص 103
الاعتناء بالإيحاء إليه. انتهى.
وقال الشَّيخ في (( اللَّامع ) )تفسير مجاهد يقتضي اتحادهما مع ما علم من اختلاف بين الشَّرائع والأحكام، فعُلِم أنَّ الدِّين واحد، غير أنَّ فيه زيادة ونقصانًا، ويدلُّ عليه الرِّواية «مَثَلِي مَثَلُ من بَنَي دَارًا» فإن فيه تصريحًا بأنَّه صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم كَمَّل من الأديان ما كان ناقصًا، إلى آخر ما بسط فيه.
وقال ابن الملقن في (( التَّوضيح ) ): لا يظهر موافقة هذه الآية، أي: المذكور في قول مجاهد للتَّرجمة. وأجاب المحدث الكبير مولانا أحمد علي السهارنفوري في حاشية البخاري: بأنَّ في آخر الآية {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} [الشورى:13] ، والإقامة في الدِّين لا تتأتى إلَّا بالإيمان بما يجب تصديقه، والطَّاعة في أحكام الله تعالى، كُلُّ مَن كانَ في التَّصْدِيق وطَاعَة الأَحْكَام أَعْمَل، كانَ إيمَإنَّه أكْمَل، فبهذا تحصل المطابقة _ والله أعلم _ وسيأتي شيء مما يتعلق به في ذكر قول ابن عباس إن شاء الله، وبسط شيء من الأحكام عليه في (( هامش اللَّامع ) ).
(يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ ... إلى آخره) : أي نوحًا خصَّه بالذِّكر؛ لأنَّه أوَّل من جاء بالتَّحريم والتَّحليل وأوَّل من جاء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، كذا في القسطلَّاني.
لا يقال: إنَّ إياه تصحيف وقع في أصل البخاري، والصَّواب: وأنبياءه، كما عند عبد بن حميد وابن المنذر وغيرهما، وكيف يفرد مجاهد الضَّمير لنوح وحده مع أنَّ في الآية ذكر جماعة من الأنبياء، لأنَّه أجيب بأنَّ نوحًا أفرد في الآية، وبقية الأنبياء عطف عليه، وهم داخلون في {مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى:13] ، في تفسير مجاهد، فليس بتصحيف بل صحيح، كذا في القسطلَّاني [18] .
قلت: ودعوى التَّصحيف للبلقيني، والجواب للحافظ، وغرض المصنِّف بذكره أنَّه جعل الأديان كلها دينًا واحدًا مع ما فيها من زيادة ونقص، كذا في (( اللَّامع ) ).
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في تفسير قوله تعالى في سورة براءة: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ ... } [المائدة:48] أيها الأمم، { ... شِرْعَةً ... } ، أي: شريعة، { ... مِنْهَاجًا ... } ، أي: طريقًا واضحًا في الدِّين يمشون عليه، كذا في الجلالين.
قال صاحب (( الجمل ) ): الشَّريعة والمنهاج عبارة عن معنى واحد، والتَّكرير للتَّأكيد، والمراد بهما الدِّين. وقال آخرون: بينهما فرق لطيف، وهو أنَّ الشَّريعة التي أمر الله بها عباده، والمنهاج الطَّريق الواضح المؤدي إلى الشَّريعة. قال ابن عباس في تفسيرها: سنة وسبيلًا. وقال قتادة: سبيلًا وسنة. قال العلماء: وردت آيات دالَّة على عدم التَّباين منها قوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} إلى قوله: {وَلَا تَتَفَرَّقُوا} [الشورى:13] ، ومنها دالَّة على حصول التَّباين كما في آية: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48] ، والجمع أنَّ كل آية تدل على عدم التَّباين فهي محمولة على أصول الدِّين من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فكل ذلك لم يختلفوا فيه الرُّسل، والآيات الدَّالة على التباين محمولة على الفروع. انتهى.
وفي (( اللَّامع ) )ولا يبعد أن يقال: إنَّ أثر ابن عباس ومجاهد في تفسير الآيتين مجموعهما حجة واحدة، وحاصلها أنَّ مجاهدًا فسَّر الآية بما حاصله اتحاد الأديان جملة، وفسَّر ابن عباس الآية الثَّانية بما حاصله افتراق السُّنن والمناهج، وليست إلَّا الشَّرائع، فلا يمكن الجمع بين الآيتين إلَّا بإهدار التَّفاوت في فروع الإيمان وهي الأعمال، فعلم أنَّ الدِّين واحد، غير أنَّه ينقص حسب ما فيه من نقص لقلَّة الأعمال، ويزيد حسب زيادة الأعمال، إلى آخر ما فيه.
ج 2 ص 104
[1] شرح تراجم أبواب البخاري: (27) .
[2] كذا في الأصل وما بين حاصرتين أوضح والله أعلم
[3] أخرجه البخاري في الإيمان، باب سؤالِ جبريل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الإيمانِ، والإسلامِ، والإحسانِ، وعلمِ الساعة، رقم 50
[4] أخرجه البخاري في كتاب المظالم والغصب، باب النهبى بغير إذن صاحبه، رقم 2475
[5] أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الثياب البيض، رقم 5827
[6] أخرجه الترمذي في أبواب صفة جهنم رقم 2598 وقال هذا حديث حسن صحيح
[7] عمدة القاري:1/ 104
[8] التلخيص شرح الجامع الصحيح للنووي: ص 455
[9] (( فيض الباري ) )1/ 129
[10] تكرم أحد الزملاء في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بترجمة النص فقال: وأجاد الإمام الرباني المجدد للألف الثَّاني للعلماء اختلاف في زيادة الإيمان ونقصانه، يقول الإمام الأعظم الكوفي رضي الله عنه: (الإيمان يزيد ولا ينقص) ، ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: (إنَّه يزيد وينقص) . ولا شك أن الإيمان عبارة عن تصديق قلبي ويقين بحيث إنَّه ليس للزيادة أو النقصان فيه موضع، وما يشعره القلب بزيادة الإيمان ونقصانَّه ما هو إلا شيء ظني لا يقيني. وأن غاية ما في الأمر أن الإتيان بالأعمال الصالحة يعزز ذلك اليقين، والإتيان بالأعمال غير الصالحة يكدر صفو ذلك اليقين. ثمَّ إن الزيادة والنقصان يتحققان باعتبار الأعمال في ذلك اليقين لا في ذاته. والبعض وجدوا اليقين منجلي وواضح فقالوا إن ذلك اليقين الذي ليس به انجلاء ووضوح هو زيادة، والبعض الآخر الذين لهم رسوخ رأوا أن الزيادة والنقصان ترجع إلى صفات اليقين لا إلى نفس اليقين، لا جرم أنهم يقولون أن اليقين أن اليقين لا زيادة فيه ولا نقصان.
وبناء على ما سبق فقد وقفت في إزالة اعتراضات المعترضين الذين يؤمنوا بعدم الزيادة والنقصان.
وإيمان عامة الأنبياء ليس كإيمان الأنبياء عليهم السلام، لأن إيمان الأنبياء عليهم السلام، الذي هو واضح تمام الوضوح ونوراني له ثمرات ونتائج مضاعفة عن إيمان العامة الذي به ظلمات وكدورات على تفاوت درجاتهم. كذلك إيمان أبي بكر رضي الله عنه الذي يزيد عن إيمان الأمة.
ويجب معرفة أن الزيادة ترجع إلى الصفات الكاملة، ولا يجب وضع الأنبياء عليهم السلام والعامة وجها لوجه في النفس الإنسانية، وفي الحقيقة والذات الكل متحد، والتفاضل يكون باعتبار الصفات الكاملة. ومع وجود هذا التفاوت في النفس الإنسانية لا يجب أن تكون الزيادة والنقصان، ولا يمكن القول أن الإنسانية قابلة للزيادة والنقصان والله سبحانه وتعالى الملهم للصواب
[11] سنن أبي داوود، كتاب السنة، باب محاسبة أهل الأهواء وبغضهم، رقم 4599 عن أبي ذر رضي الله عنه وما ذكره المؤلِّف من حديث أبي أمامة فلم أجده.
[12] روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني:2/ 26
[13] المنهاج شرح صحيح مسلم ابن الحجاج:2/ 184، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.
[14] استخدمت لفظة (أَجِنَّةً) في اللغة بمعنى المياه المندفنة على التشبيه بأجنة الحوامل: ويُرْوَى: أَجِنَّةً أَي: أَمْواهًا مُنْدَفِنَةً، على التَّشبِيه بأَجِنَّة الحَوَامِل. لسان العرب:5/ 83، تاج العروس:13/ 290، لكن وصفها باليانعة لا يستقيم مع المعنى المذكور والله أعلم.
[15] التلخيص شرح الجامع الصحيح: ص 450
[16] حديث ابن مسعود رضي الله عنه (الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ، وَالْيَقِينُ الْإِيمَانُ كُلُّهُ) رواه البيهقي في شعب الإيمان، رقم 47، والحاكم في المستدرك، رقم 3666 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والطبراني في الكبير ج 9 ص 104 ح 8544 بلفظ: (الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ: وَالْيَقِينُ الْإِيمَانُ) ، وصححه الحافظ في الفتح.
[17] رواه البيهقي في شعب الإيمان، رقم 45 وصححه الحافظ في الفتح.
[18] إرشاد الساري:1/ 89