فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 4610

ما ظهر _أيضًا_ أنَّ الإمام البخاري طالما يغير التَّرتيب الوجودي لمصلحة، شحذا للأذهان ليتدبر في ذلك النَّاظر، ولم أر من نبَّه على ذلك الأصل من كلام المشايخ المذكورين في الفائدة الثَّانية، مثاله: أنَّه ترجم [1] باب الأذان بعد الفجر على الأذان قبل الفجر: قال الزَّين ابن المنير قدَّم المصنِّف ترجمة الأذان بعد الفجر: على ترجمة الأذان قبل الفجر، فخالف التَّرتيب الوجودي لأنَّ الأصل في الشَّرع أن لا يؤذَّن إلَّا بعد دخول الوقت فقدم ترجمة الأصل على ما ندر عنه، وأشار ابن بطال إلى الاعتراض على التَّرجمة بأنَّه لا خلاف بينه وبين الأئمة وإنَّما الخلاف في جوازه قبل الفجر، والَّذي يظهر لي أنَّ مراد المصنِّف بالتَّرجمتين أن يبين أنَّ المعنى الَّذي كان يؤذِّن لأجله قبل الفجر؛ غير المعنى الَّذي كان يؤذِّن لأجله بعد الفجر، وإنَّ الأذان قبل الفجر لا يكتفى به عن الأذان بعده [2] . كذا في الفتح.

وهذا هو الوجه عندي أنَّ الأذان بعد الفجر لمَّا كان أصل أذان الصَّلاة، بخلاف الأذان قبل الفجر فإنَّه لم يكن للصَّلاة، بل لمصالح أخر الواردة في الأحاديث قدَّم الَّذي هو الأصل.

ومن ذلك الأصل أنَّه قدم الرَّواتب البعدية على الرَّواتب القبلية سوى ركعتي الفجر، فإنَّه رضي الله عنه ترجم أولًا باب التَّطوع بعد المكتوبة ثم ترجم باب الرِّكعتين قبل الظُّهر ونبَّه على ذلك الحافظ إذ قال: باب التَّطوع بعد المكتوبة ترجم أولًا بما بعد المكتوبة، ثمَّ ترجم بعد ذلك بما قبل المكتوبة. انتهى. كذا قال ولم يذكر الحافظ له وجها.

والأوجه عندي أنَّ الإمام البخاري نبَّه بذلك على الاختلاف في ترتيب الأفضلية في الرَّواتب، بعد اتفاقهم

ج 1 ص 57

على أنَّ راتبة الفجر آكدها، ولذا قدمها الإمام البخاري، ثم اختلفوا في الرَّواتب الباقية كما بسط الاختلاف في ذلك في «الأوجز» .

وترجم باب الصَّلاة بعد الجمعة وقبلها قدَّم البعد على القبل بخلاف باب الصَّلاة قبل العيد وبعدها قال الحافظ: قال ابن المنير في الحاشية: كأنَّه يقول الأصل استواء الظُّهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه، قال: وكانت عنايته بحكم الصَّلاة بعدها أكثر، ولذلك قدَّمه في التَّرجمة على خلاف العادة في تقديم القبل على البعد. انتهى.

ووجه العناية المذكورة ورود الخبر في البعد صريحا دون القبل. انتهى.

ويقرب من ذلك أنه رضي الله عنه قدَّم نوم المرأة في المسجد على نوم الرَّجال، وكان مقتضى الظَّاهر عكسه، لم يتعرض لذلك الشُّرَّاح، والأوجه عندي أنَّه رضي الله عنه فعل ذلك قصدًا لأنَّ الجواز في المرأة كان أبعد؛ لاحتمال الفتنة والطمْث وغير ذلك.

ويقرب من ذلك أيضًا ما قال الحافظ إذ قال: قدم الإمام البخاري الآية الَّتي من سورة المائدة على الآية الَّتي من سورة النِّساء لدقيقة، وهي أنَّ اللَّفظ الَّتي في المائدة فاطَّهَّروا فيها إجمال، واللَّفظ الَّتي في سورة النِّساء حتى تغتسلوا فيها تصريح بالاغتسال وبيان للتَّطهير المذكور الى آخر ما قال الحافظ.

وكذلك قدم باب الإبراد بالظُّهر وهو صفة من صفات الأوقات، على باب وقت الظُّهر وعندي في ذلك دقيقة تأتي في «هامش اللَّامع» في محله.

وهكذا أخر باب زكاة البقر عن زكاة الإبل والغنم فإنَّه ترجم أولًا للإبل ثمَّ للغنم ثمَّ ترجم لزكاة البقر، وكان حقها التَّوسط، قال الزَّين بن المنير: أخرها لأنَّها أقل وجود أو نصبا، ولم يذكر في الباب شيئا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه.

وترجم في كتاب الصوم باب الحائض تترك الصَّوم والصَّلاة على خلاف الحديث فقد قدَّم في الحديث الصَّلاة على الصَّوم وغير ذلك من التَّراجم الكثيرة.

ج 1 ص 58

[1] كذا في الأصل، ولعل السياق أن نقول: «قدَّم» والله أعلم.

[2] فتح الباري:2/ 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت