كتب الشَّيخ في (( اللَّامع ) )وجه الاستدلال عليه بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لعن الله اليهود ... إلى آخره» أنَّهم لُعِنوا لارتكابِهِم ذَلك لما فيه من التَّشبه بِعَبَدة الأوثان، فوجب
ج 2 ص 282
تسوية القبر لجواز الصَّلاة في هذا المكان، لارتفاع وجه المشابهة، غير أنَّ التَّسوية تحصل بوجهين:
1 -إمَّا بنبش القبر وإخراج عظام الميِّت من هذا الموضع.
2 -أو بتسوية القبر حيث لا يبدو للنَّاظر، فيلزم الشَّبه.
وإذا كان كذلك وجب في قبور المشركين نبشها أصلًا، لكونهم محل الغضب فلا يناسب إبقائهم في المساجد، ولا كذلك في المسلمين، فلا يضر بقاء عظامهم تحت أقدام المسلمين، ووجه الكراهة وهو الشَّبه منتف، فالاستدلال بالرِّواية يعمُّ الكافر والمؤمن في أنَّ الصَّلاة تُكْرَه على القبور، والتَّخصيص بالنَّبش للكفَّار حاصل بالرِّواية الآتية، فافهم، فإنَّه مفتقر إلى فضل تفكُّر.
وحاصل الاحتجاج بذلك الآثار المُورَدَة ههنا، أنَّ الصَّلاة في مثل تلك الأمكنة جائزة مع الكراهة التَّحريميَّة، فإنَّ عمر رضي الله عنه لم يأمر بالإعادة، وإنَّما أمر بالاتقاء عن القبر، فعُلِم أنَّ الصَّلاة في المقبرة جائزة إذا لم يسجد إلى القبر، وإن لم تَخْلُ عن كراهة. انتهى.
وفي (( هامشه ) )إعلم أوَّلًا: أنَّ هذه التَّرجمة وإثباتها من مُشْكِلات التَّراجم، وإليه أشار الشَّيخ بقوله فافهم، فإنَّه مفتقر إلى فضل تفكُّر.
وقال العيني: لم أر شارحًا ههنا شفى العليل ولا أروى الغليل. انتهى.
وثانيا: إنَّ لفظ (هل) ههنا ليس للاستفهام عند جميع الشُّرَّاح والمشايخ، بل هو بمعنى قد، وعليه بنى الشَّيخ _ قُدِّس سرُّه _ تقريره، والأوجه عندي أنَّه على معناه الأصلي، أي: الاستفهام، فإنَّه أصل مطرد من أصول التَّراجم، وهو الأصل الثَّاني والثَّلاثون تقدَّم فيه أنَّ الإمام البخاري طالما يترجم بهذا اللَّفظ تنبيهًا على أنَّ للنَّاظرين هناك مجالًا للنَّظر والفكر، وهو كذلك ههنا عندي، فإنَّ ظاهر ما في الباب جواز نبش القبور واتِّخاذ محلها مسجدًا، وهو نصٌّ حديث الباب في بناء مسجده صلَّى الله عليه وسلَّم، ومع ذلك فيه خلاف الأوزاعي، فلعلَّ الإمام البخاري أشار إلى خلافه، وأولى منه إلى مستدلِّه بلفظ (هل) ، وهو أنَّ قبورهم موضع عذاب، فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا مرَّ بالحجر قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلَّا أن تكونوا باكين» [1] ، فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم، فكيف قبورهم؟!. انتهى. وسيأتي قريبًا، وبوَّب عليه الإمام البخاري (باب الصَّلاة في مَوْضِع الخَسْف والعَذَاب) ، فالأوجه عندي أنَّ الإمام البخاري نبَّه بلفظ (هل) على هذه الأمور.
وثالثًا: إنَّ قوله في التَّرجمة (وما يُكْرَه) معطوف على قوله (هل يُنْبَش) عند الشُّرَّاح كلهم وجعلوه جزءًا مستقلًا من التَّرجمة، ولمَّا رأوا أنَّ هذا الجزء من التَّرجمة لا يثبت بالحديث، أثبتوه بأثر عمر رضي الله عنه، والظَّاهر عند هذا العبد الفقير إلى رحمته تعالى أنَّ هذا ليس بترجمة حتَّى يحتاج لإثباته، لأنَّه سيأتي قريبًا (باب كراهية الصَّلاة في المقابر) فإن كانت هذه ترجمة يلزم التِّكرار، وأيضًا لا يثبت هذا بالحديث، وإثباته بمجرد الأثر خلاف الأصل، فالظَّاهر عندي أنَّه معطوف على لفظ قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم داخل تحت اللَّام، فكأنَّه بمنزلة الدَّليل، ومثبتة _بكسر الموحدة_ للتَّرجمة السَّابقة، كما بسط في الأصل السِّتِّين من أصول التَّراجم المتقدِّمة في الجزء الأوَّل، فكأنَّه أثبت جواز نبش القبور بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم وبكراهة الصَّلاة في المقابر، فكأنَّه قال: يجوز نبش قبور المشركين لأنَّ الصَّلاة في المقابر مكروهة، ولا حرمة لقبور المشركين فلا بأس بنبشها. انتهى مختصرًا.
ج 2 ص 283
[1] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (رقم: 3380) ولفظه"لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ"