من عادة الإمام البخاري الشَّائعة في كتابه، كثيرة الوقوع في تراجمه، أنَّه كثيرًا ما يُثْبِت التَّرجمة بالنَّظير والقياس، وهذا الأصل معروف عند المشايخ والشُّرَّاح.
أخذ بذلك الأصل القطب الكنكوهي _قدس سره_ بمواضع من تقريره، منها ما قال في باب القراءة في الظَّهر دلالة الرِّواية على التَّرجمة على تقدير نسخة العَشِيِّ ظاهرة، وعلى النُّسخة المكتوبة في المتن، وهو قوله صلاتي العشاء فالمدَّعَى حاصل بالقياس. انتهى.
وقال العيني في باب الدُّخُول على الميِّت إذا أُدْرِج في أكفَانه وقد ذكر فيه البخاري حديث دخول أبي بكر على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو مسجَّى ببردة، فقال العيني: مطابقته للتَّرجمة ظاهرة، قيل لا نسلِّم الظُّهور لأنَّ التَّرجمة في الدُّخول إذا أُدرج في الكفن، ومتن الحديث وهو مسجَّى ببردة؛ لم يكن حينئذ غُسل فضلًا عن أن يكون مدرجًا في الكفن. وأجيب: بأنَّ كشف الميِّت بعد تسْجِيَتِه مساوٍ لحاله بعد تكفينه. إلى آخره.
وقال الحافظ في الباب المذكور: ودلالة الحديث الأوَّل وهو حديث أبي بكر رضي الله عنه المذكور، والحديث الثَّالث وهو حديث جابر رضي الله عنه «قال لما قُتل أبي جعلت أكشف الثَّوب عن وجهه» الحديث. مشكلة: لأن أبا بكر إنَّما دخل قبل الغسل فضلًا عن التَّكفين، ولأنَّ جابرًا كشف الثَّوب قبل تكفينه. فقال بعد ذكر الأجوبة المختلفة: وقال ابن رشيد: المعنى الَّذي في الحديثين من كشف الميت بعد تسجيته مساو لحاله بعد تكفينه. انتهى.
وقال الحافظ أيضًا في باب القِسْمة وتعليق القِنو في المسجد: لم يذكر البخاري في الباب حديثًا في
ج 1 ص 50
تعليق القِنو، فقال ابن بطال أغفله، وقال ابن التِّين أُنْسِيَه، وليس كما قالا، بل أخذه من جواز وضع المال في المسجد بجامع أن كلًا منهما وضع لأخذ المحتاجين منه. انتهى.
وقال أيضًا في باب فضل صلاة الفجر في جماعة: وقد أورد فيه البخاري حديث أبي موسى قال: «قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أعظم النَّاس أجرًا في الصَّلاة أبْعَدَهُم فأبْعَدَهُم مَمْشَى» الحديث. فقال الحافظ: استشكل إيراد حديث أبي موسى في هذا الباب لأنَّه ليس فيه لصلاة الفجر ذكر، بل آخره يُشعر بأنَّه في صلاة العشاء، ووجَّهه ابن المنير وغيره بأنَّه دل على أنَّ السبب في زيادة الأجر وجود المشقَّة بالمشي إلى الصَّلاة. إلى آخر ما قال.
وأيضًا ترجم البخاري رضي الله عنه باب الخطبة أيام منى وأورد في جملة أحاديثه حديث ابن عباس رضي الله عنه «قال: سمعت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب بعرفات» قال الحافظ ناقلًا عن ابن المنير: أراد البخاري أن يبيِّن أنَّ الرَّاوي قد سمَّاها خُطبة، كما سمَّى الَّتي وقعت في عرفات خُطبة، وقد اتفقوا على مشروعية الخُطبة بعرفات فكأنَّه ألحق المختلَف فيه بالمتَّفَق عليه. انتهى.
وقال شيخ المشايخ في التَّراجم في باب تفريق الغُسل: أي التَّفريق في أفعال الوضوء والغسل إشارة إلى جوازه، خلافًا لمن اشترط المولاة، ويثبت بالحديث التَّفريق في الوضوء، فثبت في الغسل أيضًا بالمقايسة؛ إذ لا فرق بينهما في الأركان والآداب. انتهى.
وقال في باب تقضي الحائض المناسك كلها قوله: وقال الله تعالى ... إلى آخره هذا بمنزلة المقدمة الثَّانية للدَّليل، يعني أنَّ الذَّبح جائز مع الجنابة، مع أنَّه لا يجوز بدون ذكر الله، وحكم الجنابة والحيض سواء بالإجماع. انتهى.
وحكى شيخ المشايخ في تراجمه في باب الصَّلاة بعد الجمعة وقبلها: إنَّه قال يُعلم راتبة قبل الجمعة من حديث الباب بالقياس على راتبة الظُّهر.
ج 1 ص 51