ما هو معروف مُطَّرِد عند الشُّرَّاح والمشايخ أنَّ الإمام البخاري رضي الله عنه كثيرًا ما يستدل على التَّرجمة بالعموم.
وأخذ بذلك الأصل القطب الكنكوهي _قدس سره_ بمواضع من تقريره، منها ما قال في باب وجوب القراءة للإمام استدل على مدَّعاه بأنَّ الوارد مطلق عن تقييد بشيء من الصَّلوات أو المصلين. انتهى.
وأخذ بذلك الأصل الحافظ ابن حجر أيضًا في الباب المذكور إذ قال: وقد يُؤخذ السفر والحضر من إطلاق قوله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّه لم يفصل بين الحضر والسَّفر. انتهى.
وأخذه الشَّيخ _قدس سره_ أيضًا في باب التَّشهُّد في الآخرة أيضًا إذ قال: دلالة الرواية عليه من حيث أنَّ المذكور فيها غير مقيد بالأولى والآخرة، فلا يتقيد بشيء منهما. إلى آخره.
وقال العيني في باب التَّيمن في دخول المسجد في حديث عائشة رضي الله عنها: «كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُحِبُّ التَّيمُّن ما استطاع» ، الحديث مطابقته للتَّرجمة من حيث عمومه، لأنَّ عمومه يدل على البداية باليمين في دخول المسجد. انتهى.
وبذلك الأصل أخذ النَّووي أحاديث باب الدُّعاء قبل السَّلام كما حكى عنه الحافظ إذ قال بعد ذكر أقوال الشُّرَّاح الأخر وقال النَّووي استدلال البخاري صحيح، لأنَّ قوله في صلاتي يعمُّ جميعها. ومن مظانِّه هذا الموطن. انتهى.
وقال الحافظ في باب فضل صلاة الفجر في جماعة: تفنَّن المصنِّف بإيراد الأحاديث الثَّلاثة في الباب؛ إذ تؤخذ المناسبة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بطريق الخصوص، ومن حديث أبي الدرداء رضي الله عنه بطريق العموم، ومن حديث أبي موسى رضي الله عنه بطريق استنباط. انتهى.
وقال شيخ المشايخ في باب ما جاء في غسل البول قوله: «إذا تَبَرَّز لحاجته ... » إلى آخره، التبرُّز وإن كان في متفاهم العرف يُحمل على الغائط، لكنَّ الصَّحابي لما حكى فعله وهو الذَّهاب إلى الفضاء، والذَّهاب إليه قد يكون للبول أيضًا، فبالنَّظر إلى هذا العموم استدل البخاري بالحديث على ثبوت الغَسل من البَول، ومثل هذا الاستدلال كثير شائع عند المؤلِّف كما نبَّهْناك مِرارًا. انتهى.
ويدخل في هذا الأصل أيضًا ما قال في باب ذكر البيع والشِّراء في المسجد إذ استدل بذكرهما [1] النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم على جواز البيع في المسجد بدون إحضار المبيع، بعموم اللَّفظين.
وقال مثل هذا الاستدلالات كثيرة في البخاري كما مر غير مرة. انتهى.
ج 1 ص 47
[1] كذا في الأصل، ولو قال: إذ استُدِلَّ بذكر النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم إياهما، لكان أوضح والله أعلم.