اعلم أنَّ الإمام البخاري ترجم ههنا بخمسة تراجم متقاربة، ينبغي للنَّاظر أن يُخَرِّجَ لها وجوهًا تناسب شأن تراجم البخاري، ولعلَّ الشَّيخ سكت عنها _تبعًا للشُّرَّاح_ تشحيذًا لأذهان الطَّالبين، فإنَّهم إذا رأوها خمسة متقاربة فلا بد أن يتدبروا فيها.
وما يظهر لهذا العبد الفقير إلى رحمته تعالى شأنه: أنَّ الإمام البخاري أشار فيها إلى أبحاث لطيفة:
فالأوَّل منها: هذا الباب ونبَّه بذلك على مسألة خلافية شهيرة وهي النَّهي عن البزاق إلى اليمين، هل يختص بالصَّلاة أو يعم خارجها أيضًا؟ وتبويبه يشير إلى أنَّه مال إلى الأوَّل.
قال الحافظ: ليس في حديثي الباب التَّقييد بحال الصَّلاة، وسيأتي التَّقييد به في الرِّواية الآتية في الباب الذي يليه، فجرى المصنِّف على عادته في التَّمسُّك بما ورد في بعض طرق الحديث، وكأنَّه جنح إلى أنَّ المطلق في الرِّوايتين محمول على المقيَّد فيهما، وهو ساكت عن حكم ذلك خارج الصَّلاة، وقد جزم النَّووي بالمنع مطلقًا في الصَّلاة وخارجها، وفي المسجد وغيره، وقد نقل عن مالك أنَّه لا بأس به خارج الصَّلاة. انتهى.
قلت: ما قال الحافظ أنَّ البخاري ساكت عن حكم ذلك خارج الصَّلاة عجيب، فإنَّه قد جزم بنفسه أنَّ البخاري جنح إلى أنَّ المطلق في الرِّوايتين محمول على المقيَّد، فكأنَّ الإمام البخاري مال في ذلك عندي إلى قول الإمام مالك، ولذا قيَّد التَّرجمة بالصَّلاة.
والثَّاني: من التَّراجم (باب ليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى) وحمل الشَّيخ في (( اللَّامع ) )لفظ: (أو) على التَّنويع حيث قال: قوله (ولكن عن يساره أو تحت قدمه) ، أي: إذا كان في غير المسجد ولم يكن إلى يساره أحد أو تحت قدمه اليسرى إذا كان في المسجد أو كان عن يساره أحد. انتهى.
ويحتمل عندي التَّخيير، والأوجه عندي أنَّ هذا الباب والباب الآتي أشار بهما الإمام البخاري إلى مسألة خلافية شهيرة بين النَّووي والقاضي عياض، وذكر في البابين مستدل الفريقين.
قال الحافظ: وحاصل النِّزاع أنَّ ههنا عمومين تعارضا، وهما قوله: (البزاق في المسجد خطيئة) ، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم:
ج 2 ص 277
«لِيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» ، فالنَّووي يجعل الأوَّل عامًّا، ويخصُّ الثَّاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثَّاني عامًا، ويخص الأوَّل بمن لم يُرِد دَفْنَها إلى آخر ما بسطه الحافظ.
فالظَّاهر عندي أنَّ الإمام البخاري أشار بهذه التَّرجمة إلى مسلك من سلك مسلك القاضي عياض، ولذا ترجم بالعموم.
وأشار بالباب الثَّالث وهو (باب كفارة البُزاق في المَسْجِد) إلى مسلك من سلك مسلك النَّووي، لأنَّ لفظ الكفَّارة يُشْعِر إلى السَّيئة، وأيضًا ذكر المصنِّف فيه حديث البُزَاق في المَسْجِد خطيئة، وهو نص في كونه خطيئة وسيِّئة.
ثمَّ ترجم رابعًا (باب دَفن النُّخَامة في المسجد) وأشار عندي منه أيضًا إلى مسألة خلافيَّة وهي جواز دفنها في المسجد، فإنَّ بعضهم لم يقولوا بذلك، والأحاديث صريحة في ذلك، ولذا ترجم به إثباتًا لجوازه.
قال الحافظ: قال الجمهور: يدفنها في تراب المسجد، وحكى الرُّوياني أنَّ المراد بدفنها إخراجها من المسجد أصلًا. انتهى.
ثمَّ ترجم خامسًا بـ (باب إذا بَدَرَه البُزاق، فليَأْخُذ بطَرَف ثَوْبِه) وأشار به إلى أنَّ لفظ «أو» في حديث الباب للتَّنويع لا للتَّخيير، وهو محمول على ما إذا بَدَره، فكأنَّه أشار بالتَّرجمة إلى أنَّه لا يبصق في الثَّوب بدون الحاجة للتَّقذُّر.
قال الحافظ: ليس في الحديث التَّقييد بالمبادرة، فكأنَّه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث، ذكرها الحافظ كما ذكر في (( هامش اللَّامع ) ).
وقال السِّندي: أشار بهذه التَّرجمة إلى أنَّ الحديث المطلق المذكور في الباب، محمول على التَّقييد بشهادة روايات لم يذكرها المصنِّف لكونها ليست على شرطه. انتهى.
قلت: وهذا أصل مطَّرِد وهو الأصل الحادي عشر من أصول التَّراجم.
ج 2 ص 278