ما يظهر من التَّدبر في تراجمه أنَّه قد يذكر ترجمة لإثبات التَّرجمة السَّابقة فهي تكون مثبِتة _بكسر الموحدة لا بفتحها_ حتى يحتاج لها إلى دليل، وقد جزم بذلك السِّندي أيضًا كما تقدم من كلامه في الأصل السَّابع. وأدخل السِّندي في هذا الأصل باب إذا قال أحدكم آمين كما تقدم، وهو الأوجه عندي في هذه التَّرجمة.
وكذا يدخل في هذا الأصل عندي التَّراجم الواردة في باب وُجُوب [الصَّلاة في] الثِّياب من قوله ومن صلى ملتحفا في ثوب واحد فإن الشُّرَّاح اضطربوا في إثباتها بالحديث، وأتوا لذلك توجيهات عديدة لإثباتها ولدفع التِّكرار عنها، فإنَّ هذه التَّرجمة ستأتي قريبًا مستقلا.
وليست التَّرجمة عندي مثبَتة بفتح الموحدة حتى يقال فيها ما قالوا، بل هي مثبِتة بكسر الموحدة لوجوب الثِّياب.
وكذلك قوله: ومن صلى في الثَّوب الَّذي يُجَامع فيه مثبت لما سبق فلا يحتاج لإثباته إلى دليل، وهكذا قوله: وأمر النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن لا يطوف بالبيت عريان. يشكل عليه بوجهين: أحدهما عدم ثبوته بالحديث الوارد في الباب الثَّاني، أن المسألة من كتاب الحج وسيأتي في محله باب لا يَطُوف بالبيت عُرْيَان وعلى ما اخترته في ذلك من أنَّه ليس بمقصود بالذِّكر، بل ذَكَره مبالغة في وجوب الثِّياب للصلاة، فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم منع الطَّواف بالبيت عُريانا، والطَّواف بالبيت صلاة حُكما، فكيف بالصَّلاة حقيقة.
وهكذا ترجم الإمام البخاري باب فضل استقبال القبلة وذكر فيه قوله: ويستقبل بأطراف رجليه القبلة وأورد عليه بوجوه: منها عدم الثُّبوت، وأيضًا أي تعلق لاستقبال الأطراف بفضل الاستقبال، وأشد منهما أنَّ التَّرجمة ستأتي مستقلة في محلها في صفة الصَّلاة، وتزول الإشكالات كلها على ما اخترته من أن التَّرجمة مثبتة لفضل الاستقبال، بأنَّه إذا روعي الاستقبال في أطراف الرِّجلين أيضًا؛ فما بال استقبال الوجه، وأما إثباتها فسيأتي في محلها من صفة الصَّلاة.
وهكذا ترجم الإمام البخاري باب هل تُنبشُ قُبُور المُشْركين ... إلى آخره وذكر فيه
ج 1 ص 55
وما يُكْره من الصَّلاة في القبور ويشكل هذا الجزء على الشُّرَّاح جدا لوجهين:
الأوَّل: عدم الثُّبوت بالحديث الوارد فيه.
والثَّاني: التِّكرار فإنَّه سيأتي قريبًا باب كراهية الصَّلاة في المقابر.
ووجهوا لدفع هذين الإيرادين بوجوه عديدة بعيدة عندي من دقَّة نظر الإمام البخاري، ومنشأ الإيرادات كلها أنَّهم رضي الله عنهم أجمعين جعلوا عطفه على قوله هل يُنْبَش؟ وجعلوه ترجمة مستقلة فأشكل الأمر عليهم، والأوجه عند هذا العبد الفقير الى رحمة ربه: أنَّه معطوف على لفظ قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تحت اللام، فهو دليل للتَّرجمة السَّابقة، أي: ينبش قبور المشركين لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولما يُكره من الصَّلاة في القبور، وهو واضح عندي، ولا يرد عليه حينئذ إيراد أصلا حتى يحتاج لدفعه الى توجيهات، ولا يذهب عليك أن لفظة هل في التَّرجمة بمعنى قد عند الشُّرَّاح، وهو في معناه عند هذا العبد الضَّعيف، كما تقدَّم في الأصل الثَّاني والثَّلاثين.
ج 1 ص 56